تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو :

قد يكون قولك صوابا إذا نظرت إلى المسائل الجزئية كحكم محكمة في ملكية أو حكمها بإعدام بريء، أو انتصار جيش مبطل على جيش محق، أو نحو ذلك مما ذكرت من أمثلة، وكذلك إذا نظرت إلى محاربة حق وباطل في عصر معين، ولكن هذه الجزئيات كلها ليس لها قيمة كبيرة أمام من ينظر إلى نظام العالم الكلي، ومبدأ انتصار الحق إنما يطبق على الكليات والمسائل العامة، وهذا هو ما يحدث في العالم: تظهر فكرة حقة يدعو إليها مصلح، ثم قد تخنق الفكرة ويقتل صاحبها، ولكن لا تلبث أن تظهر ثانية على يد مصلح آخر في عصر آخر وقد يفشل أيضا، ولكن لا بد أن يأتي يوم يدعى إلى الفكرة في ظرف مناسب فتتحقق وتثبت؛ وهذا هو تاريخ كل الدعوات الصالحة من دعوات الأنبياء والمصلحين، وهذا هو - أيضا - تاريخ حقوق الإنسان والمبادئ السياسية والاجتماعية السامية، فلا يفت في عضدنا ما نشاهده أحيانا من هزيمة الأفكار الحقة وتأييد المظالم بالقوة وإنكار العدالة، فلكل هذا نهاية، ثم ينتصر الحق، ولكن قد يكون ذلك في أجيالنا، وقد يكون في أجيال بعد أجيالنا.

وهذا الذي أقوله هو بعينه فكرة «بقاء الأصلح»؛ فليس حتما إذا أخذنا شجرتين أو حيوانين أو إنسانين معينين أن يموت أضعفهما ويحيا أقواهما؛ فقد يعرض عارض يميت القوي فيبقى الضعيف، ولكن مع هذا «بقاء الأصلح» صحيح عند النظرة الكلية.

وهذا - أيضا - هو الذي يتمشى مع نظرية رقي العالم رقيا دائما وسيره إلى غاية، وذلك في كلياته دون جزئياته؛ فقد تنحط أمة بعد رقيها، ولكن العالم - من حيث هو كل - لا يتأخر أبدا.

وشيء آخر أحب أن أقرره من الناحية العملية، وهو أن تراخي الأفراد والأمم في تأييد الحق؛ اعتمادا على أنه بذاته سينتصر، تصرف سيئ باطل، يشبه من كل الوجوه التوكل على الله من غير أخذ في الأسباب، فالحق محتاج إلى قوة وراءه تدفعه وتحميه، والحق غير المسلح إذا وقف أمام الباطل المسلح انهزم، وظل في انهزامه حتى ينازل الباطل في مثل عدته وسلاحه؛ ولذلك لم تثبت النصرانية الأولى وتنتصر وتنتشر إلا بعد أن تسلحت، ولم ينتصر الإسلام في بدء حياته ويدخل فيه الناس أفواجا إلا بعد أن تسلح، بل إنا نرى أن الحق - أحيانا - يحتاج إلى أن يعتمد في حربه على شيء من الباطل كالذي قال معاوية: «إنا لا نصل إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل». •••

وهنا دق الناقوس يدعونا للعشاء فقال صاحبي:

وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا

صدق الله العظيم. •••

وقضينا سهرة جميلة على ظهر «الذهبية»، عشاء لذيذ وسمر ممتع، يتخلله سماع موسيقى شجية، واختلاس نظرات للنيل، وقد سطع عليه القمر فلونه لونا فضيا رائعا بعد لونه الذهبي الجميل في الأصيل، وانصرفنا بعد أن جددنا نفوسنا، هو إلى بيته في مصر الجديدة، وأنا إلى بيتي في الجيزة، وإلى اللقاء.

| الحروف العربية والحروف اللاتينية

كان من جملة المشروعات التي وضعتها هيئة «اليونسكو» لدراستها هذا العام مكافحة الأمية في العالم ونظم التعليم الأساسي.

ومن مقتضى هذا - بطبيعة الحال - أن يشمل ذلك العالم العربي، فينظر في كيفية تخليصه من أميته، وفي مناهج التعليم الأساسي له.

والأمر يبدو بسيطا واضحا لو أن هيئة «اليونسكو» - وهي الهيئة الثقافية التابعة لهيئة الأمم - ركزت نفسها في التربية والتعليم ولم تتأثر بالسياسة، فما عليها إذا أخلصت النية إلا أن تدرس - فيما تدرس - الأمية في الأمم العربية، وتنصح بالوسائل لمكافحتها ومدى الإعانة التي تستطيع أن تقدمها، ولكنها ستصطدم حتما بالسياسة فتتأثر بها.

ذلك أن الاستعمار حليف الأمية ونصيرها ومؤيدها، وعدو التعليم وعدو مكافحة الأمية؛ وهذا هو تاريخ الاستعمار دائما، فإذا سمح المستعمر بالتعليم فتحت ضغط الرأي العام ومطالبته الملحة بنشر التعليم، ومع ذلك إذا سمحوا بشيء منه ففي حدود ضيقة ومع تقييد البرامج بما يفقدها روحها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٧٢