تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا أصاب فكل شيء مقتل

وإذا أصيب فما له من مقتل

ويقول آخر:

جردوها فألبسوها المنايا

عوضا عوضت عن الأغماد

وكأن الآجال ممن أرادوا

وظباها كانت على ميعاد

ويقول آخر:

وصقيل مدارج النمل فيه

وهو مذ كان ما درجن عليه

أخلص القين صقله، فهو ماء

يتلظى السعير في صفحتيه

إلى كثير من مثل ذلك.

بل اعتزوا بآلات القتال كاعتزازهم بأبنائهم، وسمى فرسانهم وشجعانهم آلات القتال بأسماء، كما يسمى الناس، واحتفظوا بها احتفاظهم بأرواحهم، وتوارثوها كما يتوارث المال العزيز، كسيف عمرو بن معديكرب؛ فقد سماه الصمصامة، وشاع ذكره وعظم أمره، وظل محتفظا به منوها بذكره إلى أن تقدمت به السن وضعفت يده عن حمله، وكان وزنه فيما يقال ستة أرطال، فقال له سعيد بن العاص: «هب لي الصمصامة، فإنك قد ضعفت عن حمله!» فقال عمرو: «ما ضعفت قناتي ولا جناني ولا لساني، وإن اختل جثماني، وهو لك!»، ثم قال:

خليل لم أهبه من قلاه

ولكن المواهب في الكرام

خليل لم أخنه ولم يخني

على الصمصام أضعاف السلام

وظل الصمصامة في يد سعيد بن العاص، ثم توارثه ولده طوال العهد الأموي، وصدر من الدولة العباسية، إلى أن اشتراه الخليفة الهادي بمال كثير.

وهكذا اشتهر كثير من آلات القتال، من خيل وسلاح بأسماء خاصة، حفظت على مر الأزمان، وذكرت على ألسنة الشعراء، وطال ذكرها في الأدب العربي.

وكما أكثروا من وصف السلاح وأدواته، أكثروا من وصف المعارك، من كثرة الجيوش وما تثير من غبار، وما تسد من أفق، وما يلمع فيها من سيوف، وما تبذل فيها من أرواح؛ وإذ كانت حروبهم في الجاهلية وفي صدر الإسلام حروبا برية كانت أوصافهم في هذا العصر لهذه الجيوش البرية، فلما عظمت جيوشهم البحرية، كما عظمت جيوشهم البرية أخذ الشعراء يصفون الأسطول والمعارك البحرية، كما فعل البحتري في قصيدته المشهورة التي يقول فيها:

إذا زمجر النوتي فوق علاته

رأيت خطيبا في ذؤابة منبر

إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له

جناحا عقاب في السماء مهجر

وحولك ركابون للهول عاقروا

كئوس الردى من دارعين وحسر

تميل المنايا حين مالت أكفهم

إذا أصلتوا حد الحديد المذكر

إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم

ليقلع إلا عن شواء مقتر

يسوقون أسطولا كأن سفينه

سحائب صيف من جهام وممطر

كأن ضجيج البحر بين رماحهم

إذا اختلفت ترجيع عود مجرجر

فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلى

مقطفة فيهم وهام مطير

على حين لا نقع يطرحه الصبا

ولا أرض تلفى للصريع المقطر

| أدب الحرب (3)

ومع أن العرب أشادوا بذكر الحرب، وتغنوا بوقائعها، وفخروا بالبطولة فيها، لم ينسهم ذلك أن يلتفتوا إلى الجانب السيئ منها، وهو ما ينال الناس من ويلات وما يصيبهم من كوارث؛ فأبان شعراؤهم شدتها، والأضرار التي تحيق بالناس منها، وتمنوا أن لم تكن، ولكنها سنة الدنيا، ولا بد من أن تربى الأمة تربية حربية ما دام في الدنيا ظلم واعتداء، ورأوا أن الظلم لا يدفع إلا بالظلم، والحرب لا تدفع إلا بالحرب، ولو عقل الناس لما ظلم الظالم، ولدفع عن ظلمه بالتفاهم؛ ومن خير ما ورد في ذلك المعنى أنهم شبهوا الحرب في أول أمرها قبل اندلاع نارها بغادة حسناء تتزين للناس، ويودها كل من رآها؛ لأن كل حزب يتصور الحرب قد وقعت، وقد انتصر فيها، ونال الغنائم من أسلابها؛ حتى إذا دخلوا في معمعتها، ورأوا ضحاياها، وشعروا بأخطارها، انقلبت هذه الغادة الحسناء عجوزا شمطاء يفزع منها كل من رآها، ويعزب عن رؤيتها كل من شاهدها، سواء في ذلك المنتصر والمنهزم، فالضحايا من كل جانب، والغنائم مهما بلغت لا تساوي خسائر الأرواح مهما قلت، وفي ذلك يقول شاعرهم:

الحرب أول ما تكون فتية

تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا حميت وشب ضرامها

عادت عجوزا غير ذات خليل

شمطاء جزت رأسها وتنكرت

مكروهة للشم والتقبيل

ودعاهم إلى طول التفكير في هذا أن النصر لا يعرف لمن يكون، مهما درست الظروف وامتحنت القوى، فنتيجة الحرب تخفى حتى على الطب العليم، ولا يدرك نتائجها إلا الخبير المجرب ، الواسع النظر، العميق الفكر، وهو مع ذلك شاك في النتيجة؛ حتى إذا انتهت الحرب، رأى عواقبها الجهول والعليم، والغر والعاقل، يقول الكميت:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٦٩