تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليست تستطيع أمة أن تعتنق «روح السماحة» إلا إذا عودت سعة الأفق وعدم التزمت، واحترام الفرد رأي غيره، كما يحترم رأي الآخرين، وإيمانه بأن رأيه وإن ظهر له صوابه قد يكون خطأ، ورأي غيره وإن ظهر خطؤه قد يكون صوابا، وأن من الصعب رؤية الحق من جميع زواياه، فليس يرى الفرد الحق إلا من زاوية واحدة، وقد يراه الآخر من زاوية أخرى؛ ومن أجل ذلك فهو واسع الصدر للنقد، مقدر للناقد محترم له؛ لأنه يزيده في رأيه ثروة.

أما المتعصب فضيق النظر، شديد الحقد على مخالفه، ساد سمعه ومغمض بصره عن أي حجة لخصمه، لا يرى إلا أن تسير الدنيا على رأيه، وإلا استحقت الخراب، ولذلك كان فاقدا لروح الفكاهة، لا تصدر عنه، ولا يستسيغها من غيره؛ لأن روح الفكاهة وروح السماحة منزلة أسمى من منزلته. •••

في الأدب العربي كثير من الشعر والأخبار التي تمثل روح السماحة، كالذي يروى عن الأحنف بن قيس، ومعن بن زائدة وغيرهما، ينقدون فيحلمون، ويتهكم عليهم فيسمحون، ويقابلون السخرية بالابتسامة، ولكن لسنا الآن بصدد أفراد، وإنما نحن بصدد روح عامة في الأمة.

والحق أن الأمم العربية اليوم في أشد الحاجة إلى روح السماحة، فهي تقربهم إلى التفاهم، وتبعدهم عن التقاطع؛ نحن أحوج إليه في علاقة الحاكم بالمحكوم؛ فالمحكوم ينفس عن نفسه بنقد ما لا يستصوبه من أعمال الحاكم، ولكنه نقد مؤدب، وقد يكون فكها فرحا ، وقد يكون فيه سخرية لطيفة، أو نكتة رائعة، والحاكم من جانبه واسع الصدر لسماع النقد، سمح في قبوله، يجيب عن نقده في رزانة، وقد يقابل التهكم بالتهكم، والسخرية بالسخرية، وروح الجميع سليمة من الحقد، لا تنطوي على الشر، وقد فرج ذلك كله على الحاكم والمحكوم، فبينهما - برغم النقد والسخرية - صفاء متبادل.

ونحن في حاجة كذلك إلى روح السماحة في العلاقة بين الدول العربية والشعوب العربية بعضها وبعض، ولو سادت هذه الروح ما رأيت ما يحدث بينها كل حين من سباب وغضب، وتهديد بقطع العلاقات، وسد الطرق، وانسحاب من الجامعة العربية، وما إلى ذلك؛ فمثل هذه الأمور كلها مظهر من مظاهر فقدان «روح السماحة»، ودليل على ضيق العطن، والانطواء على الحقد والضغينة، أو العزة الكاذبة.

لكم نرى في التاريخ الماضي وفي الحاضر من أزمات حادة، عولجت بكلمة سمحة فرجت الأزمة، أو نكتة بارعة أعادت إلى النفوس صفاءها، أو احتمال الرئيس للنقد اللاذع؛ تحقيقا للمصلحة العامة.

إن روح السماحة هي أشبه ما تكون بالروح الرياضية، يلعب اللاعبون في ميدان اللعب، فيتبارون ويتسابقون، ولكن لا يحملون حقدا، ولا ينطوون على ضغينة، فإذا انتهى اللعب وضع المغلوب يده في يد الغالب مهنئا له، وخرجوا جميعا من الميدان بنفوس صافية وقلوب راضية.

وهل الحياة كلها إلا ميدان لألعوبة لا تستأهل احتمال الهم والانطواء على الضغن.

يحكون أن المهدي أراد أن يغزو أهل الشام لخطأ ارتكبوه، فقال له «ابن خريم»: يا أمير المؤمنين، عليك بالعفو والتجاوز عن المسيء، فلأن تطيعك العرب طاعة محبة؛ خير لك من أن تطيعك طاعة خوف.

| لماذا - ولأن

لماذا ترى الرجل عاقلا حكيما، صادق الرأي في الحكم على الأشياء، صحيح التقويم لها، عادلا في تقديرها؛ وذلك كله إذا كان الشيء الذي يحكم عليه أو يقدره غير متصل بذاته، ولا يمس مصلحة من مصالحه، ولا يناله منه خير أو شر؛ فإذا اتصل هذا الشيء بنفسه، أو كان يتوقع منه ضرا أو نفعا، فسد حكمه، وساء تقديره، وفقد حكمته، وأصبح مثله مثل السفيه في الرأي، الكاذب في النظر، السيئ التقدير؟

لأن الإنسان في الأعم الأغلب لا يستطيع أن يجرد الأشياء عند الحكم عليها من عواطفه؛ وقد لاحظ الفلاسفة هذا الخطأ في الأحكام، فحاولوا تجريد الأشياء المحكوم عليها مما يتصل بها من العواطف؛ وأدرك هذا علماء المنطق، فرأوا أن الألفاظ في القضية قد يتصل بها شيء من العواطف يفسد حكمهم، فحاولوا أن يعبروا عن هذه القضايا ب: أ، ب، ج، د؛ حتى يكون حكمهم مجردا فيكون أقرب إلى الصدق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٦٣