وآخر ما كنت آمله فيه أن يتحرى الصدق فيما يقول، ولكن خاب أملي في هذا أيضا؛ فقد رأيته يذكر عني حادثتين أشهد بالله أنهما كاذبتان؛ كما يذكر كثيرا من الأحداث عن أشخاص متعددين في مصر والشام يكذبونها وينكرونها.
وأسوأ ما في هذا أنه يشكك القراء في كل ما صدر عنه حتى في كتابه تاريخ خطط الشام، والحضارة الإسلامية، فمن يدري! لعله استباح لنفسه من خلق الأحداث ما استباحه في الرواية عن الأحياء، وبهذا لم يكن أساء إلى نفسه فقط، ولكنه أساء إلى المؤرخين جميعا، ولعل كثيرا ممن ورد ذكرهم في الكتاب واتهموا بالجهل أحيانا، والجاسوسية أحيانا، والرشوة وقلة الذمة أحيانا، لم يكن فيهم شيء من هذا، وإنما نشأت من سوء ظن الأستاذ، أو اختراع خياله، أو فساد حكمه على الأشياء.
وعلى الجملة فهذه المذكرات لم تصدر إلا بخذلان من الله كبير، فالله يعفو عنه ويغفر له.
| روح السماحة
قرأت اليوم وصفا لناد في واشنطن إذا ترجمنا اسمه إلى العربية سميناه «نادي السفود»
1
عدد أعضائه خمسون، يختارون على أساس مراكزهم الاجتماعية، ومقدرتهم الصحافية، ومهارتهم التهكمية.
ولهذا النادي تقاليد؛ فالأعضاء يلبسون في الاجتماع «الفراك» وربطة الرقبة البيضاء، ولهم شارة هي عبارة عن صورة «سفود» تعلق على السترة، فيعلم أن صاحبها عظيم من العظماء؛ إذ كان عضوا في هذا النادي.
وعمر النادي الآن خمس وستون سنة، يقيم أعضاؤه حفلتين كل عام، إحداهما في إبريل، والأخرى في ديسمبر، وفي كل حفلة يدعى رئيس الجمهورية، ورئيس الحزب المعارض، وكبار موظفي الدولة، وقد لبى الدعوة رؤساء الجمهورية جميعا، ما عدا الرئيس «كليفلاند»، وفي كل اجتماع يعد برنامج حافل يشتمل على أغان وموسيقى وتمثيل، ونكات رائعة، وكلها ترمي إلى نقد الرئيس ورئيس المعارضة وكبار الموظفين نقدا تهكميا لاذعا، واستعراض المشاكل التي تشغل بالهم، وتشغل الرأي العام، وكيف تصرف فيها هؤلاء الكبار، ثم وضع ذلك كله في قالب فكه ساخر، وبعد أن ينتهي هذا البرنامج الذي يشوى فيه هؤلاء الكبار على السفود، يقف رئيس الجمهورية ورئيس الحزب المعارض، فيخطب كل منهما عشر دقائق شاكرا للنادي تهكمه، مقابلا السخرية بالسخرية، والتهكم بالتهكم، واللذع باللذع، وبذلك ينتهي الاحتفال بعد أن يكونوا قد عرضوا للمشاكل والرؤساء من الجانب التهكمي، فأبانوا مثلا كيف كبر هؤلاء الكبار صغار الأمور، وعدوها مشاكل عظمى وهي في ذاتها تافهة، وكيف تصرفوا فيها تصرفات مدوية، وكان يمكن أن يتصرف فيها على أبسط وجه وأخصر طريق، وكل ذلك في ثنايا الضحك اللطيف، والتهزيء الطريف.
ويقول أحد رؤساء الجمهورية في مذكراته: «يزودنا نادي السفود بقدر كبير من المرح، وقد روضت نفسي على الابتسامة العريضة من النكات اللاذعة التي تقال عني ... ويغريني على ذلك علمي أن كل رئيس غيري - مهما بلغت منزلته - سيلقى ما لقيت في سبيل المرح في هذا المساء».
وقد حدثني من تخرج من جامعة أمريكية أنه فوجئ آخر العام الدراسي بورقة وزعت عليه وعلى سائر الفصل، تسأله فيها الجامعة عن رأيه في الأستاذ فلان من حيث كفايته العلمية، ومن حيث طريقة تدريسه، ومن حيث معاملته الطلبة ... إلخ، والطلبة يجيبون في صراحة من غير ذكر أسمائهم، والجامعة والأساتذة يتقبلون هذا في سماحة.
هذا ما أسميه «روح السماحة»، وهي روح لا يمكن أن تسود في أمة إلا إذا ربي الأفراد فيها على الديمقراطية الحقة؛ فلكل شخصيته، ولكل رأيه، ولكل أن ينقد ما يشاء، ومن يشاء، وعلى المنقود أن يكون واسع الصدر في سماع النقد، ولكن على الناقد - أيضا - أن يكون لديه من حسن التقدير ودقة الذوق، ما يصوغ به نقده في أسلوب مؤدب، ولذلك عرف أعضاء نادي «السفود» بأنهم يستطيعون أن يمزجوا الفكاهة والسخرية بالرزانة والذوق السليم.