تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والدنيا مملوءة بالأحكام الفاسدة، والتقويم الفاسد، وكان سبب الفساد وسوء التقويم دخول المنفعة الشخصية في التقويم والحكم؛ حتى في القضية الواحدة، والمثل الواحد، ينظر إليه الإنسان في غيره فيصدر حكمه صحيحا، فإذا اتصل هذا الأمر بشخصه نفسه أصدر حكما آخر، وتقويما آخر.

وهذا ما حدا بطائفة من الفلاسفة أن يقولوا: إن الإنسان لم يمنح العقل لمعرفة الحقائق، ولكن لخدمة المصالح.

ومما يؤسف له أن مداخل العواطف في تقويم الأشياء والحكم عليها مداخل في منتهى الخفاء؛ وليس الكذب مقصورا على الكذب على الآخرين، بل أشد منه خطرا كذب الإنسان على نفسه؛ فهو يخدعها، ويظن أنه ينصحها؛ ويجور في حكمه، ويظن أنه يعدل، ولم يستطع أن يتحرر من هذا إلا القليل النادر.

وما سبب النزاع في العالم إلا الوقوع في هذا الخطأ، وما ملأ المحاكم بالقضايا إلا هذا الخطأ؛ فليست المحاكم والمجالس القضائية وغير القضائية مقصورة على الشريرين والباغين الذين يدعون الحق ويعلمون أنهم مبطلون، ولكن أكثر من هؤلاء المتخاصمون الذين يختلفون على الأمر الواحد، ويعتقد كل منهم أنه على حق؛ ذلك أن كلا منهم ينظر إلى المسألة من زاويته هو، لا من زاوية خصمه، والزاوية التي ينظر منها كل متخاصم عمل في تكوينها عقله ومنطقه وبواعثه وعواطفه، والخير الذي يرتجيه والشر الذي يهرب منه.

وهذه المصيبة الكبرى تطالعك كل يوم في الخلاف المالي بين الأشخاص والخلاف بين أعضاء المجالس؛ حتى في الهيئات التي تتكون من أرقى الناس عقولا، وأكثرهم ثقافة، وأوسعهم إدراكا؛ فإنك إذا فتشت عن أكبر سبب للخلاف بينهم وجدته في لعب العواطف والمصالح الشخصية الخفية في أعماق النفوس.

وهذا هو ما يطالعك كل يوم في الجرائد في أكثر ما تكتب يوميا؛ فالمسألة الواحدة تعرضها جريدة بشكل، وتحكم عليها بشكل، وتخالفها في كل ذلك الجريدة الأخرى؛ وكلا الكاتبين عاقل ممتاز، كان من الممكن أن يتفق مع صاحبه في نظره وحكمه، لو تجرد من عواطفه وهواه؛ ولكن تدخلت في حكمه على الشيء مصلحته الشخصية، أو مصلحته الحزبية، فلونت عرضه للمسألة، وحكمه عليها؛ حتى رآها أحدهما سوداء، والآخر بيضاء، وحتى عجب القارئ على الحياد من بعد ما بين الفريقين من الخلاف، وكيف لعبت المصالح بالعقول؛ حتى صارت موضع الهزء والسخرية.

بل هذا ما يطالعك أيضا في شئون السياسة العامة؛ فخروج الروس من إيران صواب في نظر الإنجليز، خطأ في نظر الروس، وخروج الإنجليز من مصر صواب في نظر الروس، خطأ في نظر الإنجليز، والتعدي على أية أمة ولو صغيرة بتقسيمها خطأ في نظر جميع الأمم، ولكن تقسيم فلسطين صواب عند أغلب الأمم، ووجود منفذ على البحر الأبيض لروسيا خير لا بد منه في نظر الروسيين، شر لا بد من مقاومته في نظر الإنجليز والأمريكيين، وهكذا.

ذلك لأن العقل ليس هو الذي يحكم وحده، ولكن تدخلت العاطفة الوطنية والمصالح القومية، فلونت المسألة الواحدة عند كل فريق بلون يخالف تمام المخالفة اللون الذي صبغه الفريق الآخر.

وهذا هو سر الخلاف بين الشرق والغرب، بل سر الخلاف بين الدول كلها الآن، وانقسام العالم إلى معسكرين، كما كان من قبل؛ بل هو سر الخلاف بين الممثلين لهذه الأمم، مع أن المفروض فيهم أنهم من أرقى الناس عقلا، وأصدقهم حكما، وأعدلهم تقويما للأشياء؛ وإنما المسألة أن العقل وحده ليس الذي يحكم، وليس الذي يقدر، ولكن العامل الأكبر في الحكم والتقدير هو ما تراه كل أمة ومن يمثلها، مراعيا ما يعود من الرأي على أمته من مصالح أو مضار؛ ولو أنك جمعت هؤلاء الممثلين، وجردتهم من عواطفهم لاتفقوا على رأي واحد في تقدير الأشياء وخيرها وشرها، وما يجب أن يعمل، وما يجب أن يترك، في أقرب زمن.

وإن شئت فقل إن الحروب في العالم وويلاتها سببها هذا الخطأ في الحكم من حفنة من قادة الرأي والسياسة، قدر كل زعيم أمة مصلحة أمته، وما ينالها في الحرب إن دخلت الحرب، أو السلم إن جنحت إلى السلم، ثم أصدر حكمه غير مصغ إلى عقله المجرد، وغير مقدر للحقائق كما ينبغي أن تقدر، وقد يؤثر في رأيه هوى شخصي، أو ناحية من نواحي ضعفه الخلقي، أو رغبته في المجد الوطني الكاذب، أو خضوعه تحت تأثير قوم من الرأسماليين الشريرين، أو نحو ذلك من شهوات أو مطامع ومطامح، يتأثر بها عدد قليل من القادة، فيوقعون العالم الإنساني كله في كوارث لا تقدر خطورتها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٦٤