تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا يدري الأستاذ أن الحكم على الأشخاص إذا كان ميزانه مدحا لكتاب أو عدم مدحه أو الإفراط في الألقاب أو التقصير فيها، أو نحو ذلك من توافه الأمور، كان حكما سخيفا لا يقام له وزن، وكان أشبه ما يكون بحكم الأطفال؛ إذ يحبون شخصا؛ لأنه يضحك في وجوههم أو يقدم لهم قطعة من الحلوى، ويكرهون آخر؛ لأنه عبس في وجوههم أو لم يقدم لهم حلوى، أما الرجال العظماء أمثال الأستاذ فميزان الأحكام عندهم يجب ألا يكون الأحداث الشخصية الصغيرة، وإنما قيمتهم الحقيقية وصفاتهم الذاتية.

ولو حكم على جمال الدين الأفغاني ونابليون وبسمارك، بل لو حكم على الأنبياء والمرسلين بميزان الأستاذ هذا لكانت النتيجة غريبة عجيبة، فليس منهم إلا من عبس ولم يقرظ، وانتقد أحيانا في مرارة، وعاقب أحيانا في شدة، ومع كل هذا لم تدخل هذه الأعمال كلها في الميزان الصحيح للحكم عليهم؛ لأنها توافه لا يأبه بها إلا التافهون، ومن أجل هذا النظر التافه لم ينل أحد من إعجاب الأستاذ محمد كرد علي في مصر ما نالته جمعية «البعكوكة»؛ فقد كتب في محاسنها صفحات ثناء وإعجاب لم ينلها أحد من الكبراء ولا العظماء ولا المؤسسات العلمية والأدبية.

ثم في الكتاب مصداق لقلة الذوق، فهو يصف المشتغلين بالعلم في مصر وغير مصر بأنهم أشغل من ذات النحيين، وأحيل الأستاذ الكبير على أي كتاب في الأمثال أو على لسان العرب في مادة «نحي»؛ ليعلم مضرب المثل، وليعلم أيضا أنه لا يصح أن يستعمله في مثل هذا الموضع إلا من تجرد من كل ذوق.

ويشاء أدبه أيضا بعد أن مدح لجنة التأليف وذكر فضلها عليه في أنها طبعت له ثلاثة كتب، وأعادت طبعها، وعاملته معاملة حسنة، شاء أدبه بعد كل هذا أن يصفها في ثنايا المدح بأنها «عصابة» ولكن لا بأس، فالذوق شيء ليس في الكتب.

ويحاول الأستاذ في مذكراته أن يظهر بمظهر الوطني الكبير، والمصلح العظيم، والأخلاقي المثالي؛ ولكن لا يلبث أن يخونه قلمه فيكشف عن نفسه، ويذكر مثلا أنه عمل وزيرا مع حقي بك العظم، والشيخ تاج الدين الحسني خمس سنين وسبعة أشهر في ظل الانتداب الفرنسي، ثم هو يطلق قلمه فيهما بالنقد واللذع والتجريح، ويصفهما بضعف الشخصية والمحسوبية والخضوع للسلطة الفرنسية خضوعا تاما مطلقا، وتنفيذ أوامرها مهما كانت ضارة بالبلاد ... إلى آخر ما قاله فيهما، والرجل الأخلاقي المثالي لا يبيح لنفسه أن يشغل الوزراة أكثر من خمس سنين مع مثل هذين الرجلين لو صدق قوله فيهما، إن الرجل الأبي الشجاع يرفض أن يعمل مع من يعتقد أنه يضر البلاد مهما ادعى أنه يريد الإصلاح، وأنكى من ذلك أنه يذكر أنه كان يشتغل معهما رغم أنفهما ولم يكن يحميه في الوزارة ويضغط عليهما في إبقائه إلا السلطة الفرنسية! أيرى الأستاذ أن حب الفرنسيين لبقائه كان صادرا عن غفلة منهم، فيظنوا فيه أنه يشايعهم وهو في الحقيقة يناهضهم؟! أو أنهم يعلمون حق العلم حقائق الرجال ومن ينفعهم ومن يضرهم، وأنهم لولا ما يجدون فيه من خدمة كبيرة لهم ما أبقوه لحظة ولانتهزوا فرصة غضب رؤسائه عليه فأخرجوه من الوزارة مغتبطين مسرورين؟!

الحق أنه قد تم في عهد وزارته أكبر مصائب سورية وهو تقسيمها إلى دويلات أربع، وتمزيقها إلى وحدات متعددة، لكل دويلة علم ولكل دويلة إدارة، وما تحرك الأستاذ ولا حدثته نفسه بالاستقالة رغم كل هذا، وإنما بقي مطمئنا راضيا عما يجري حتى نحى الفرنسيون الوزارة كلها.

وقد كان الأستاذ - كما ذكر في مذكراته - يدعى عند رئيس الوزارة الشيخ تاج الدين الحسني؛ ليؤنس الذين يدعوهم الرئيس من سيدات الفرنسيين وسادتهم؛ كما كان يدعى لاستقبال المندوب السامي في بيروت عند حضوره من فرنسا، فيلبي الأستاذ هذه الدعوات راضيا مغتبطا فخورا، وهكذا وهكذا مما تتكشف عنه المذكرات.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٦١