تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنه إذا عدا هذا الطور فتعرض لبحث مبتكر أو لنقد لما قرأ، أو تعقيب على قول لم يعجبني كثيرا، لا في آرائه، ولا في أسلوبه، فآراؤه لا تصدر عن أفق واسع ولا نظر شامل ولا عمق كاف، وأسلوبه متعثر ليس فيه رونق أو صفاء، ونكاته ونوادره تستجلب الضحك عليها لا الضحك منها، وكنت لا أرتاح لكثير من تصرفاته، فهو إذا لقي أحدا من معارفه عانقه وبالغ في مدحه في وجهه حتى يخجله، وأثنى على تآليفه وكتبه؛ ولو لم يكن له تأليف ولا كتاب، والله أعلم بما يقوله من ورائه.

وجاءت مذكراته هذه مصداقا لما أقول، من قلة في الذوق، وسخافة في الحكم، وتقويم ما ليست له قيمة، وتحقير ما له قيمة.

وهؤلاء المصريون الذين كان يلقاهم فيعانقهم ويشيد بذكرهم، قد انقلب عليهم انقلابا عجيبا؛ لسبب عجيب أيضا!

أسوق لذلك مثلا لطيفا، فقد كتب في الجزء الثاني مقالا عنوانه: «كتاب إلى حبيب»، كتبه إلى معالي محمد حلمي عيسى باشا، يصب فيه نقمته على أدباء مصر، ويسبهم ويقدح فيهم أفظع القدح، لماذا؟ لأنهم لم يقرظوا كتبه ولم يشيدوا بذكره أو نحو ذلك من توافه الأسباب، اسمعه يقول: «وماذا أقول في مجلاتكم وصحفكم و«أحمد حسن الزيات» صاحب مجلة الرسالة بعد أن كان يكتب لي أنه كان لقى فرفعته، تنكر لي بأخرة وأعمته التجارة وجمع الأرباح، ونسي أصحابه ومن عاونوه على اكتساب الشهرة». «وصديقي أحمد أمين كأكثر المشتغلين بالعلم في مصر وغير مصر «أشغل من ذات النحيين»، ما سمعت منه كلمة طيبة لا باللسان ولا بالقلم منذ عرفته، وأنا - شهد الله - ما تركت بابا من أبواب الدعاية له منذ ظهوره في التأليف، سأله في الجامعة أحد تلاميذه من الحلبيين عن رأيه في، فقال: تسألني رأيي في بلديك؟ إنه أعرف المعاصرين بالمصادر». «وهناك في مجمع فؤاد الأول من هم عجيبة الزملاء، هناك رئيسه أحمد لطفي السيد باشا الفيلسوف، وكثيرا ما نوهت به، وأردت إخواني في المجمع العلمي العربي من أول تأسيسه أن يختاروه عضوا مراسلا فانتخبوه، وما تنازل أن يحييهم بكلمة شكر فيما أذكر، ولم يغلط خلال خمسين سنة أن يقابل جميلي بمثله، كأنه يعتقد أن ما أقوم به نحوه هو واجبي، وأنه من عالم غير هذا العالم، وشتان بين ثقله وخفتي، وفرق بين جنسيتي وجنسيته، هو مصري وأنا شامي». ثم أبان سبب سخطه عليه، فذكر أن لطفي باشا دعاه وزملاءه إلى نادي محمد علي، فلحظ لطفي باشا أن بين الأعضاء الأجانب رجلا له لقب وزير؛ فدعاه إلى الجلوس في مقام التكرمة، وترك كرد علي.

ونقم على المازني وهيكل لمثل هذا السبب فقال: «إن رصيفي المازني وهيكل ما أضاعا قط كلمة في التعرض لعملي وعمل إخواني في الشام، انتخبهما مجمعنا عضوين مراسلين، فلم يتنزلا أن يكتبا له سطرا، وكيف يرتكبان هذا الإثم؛ والمازني دأب حياته يكتب المقالات للصحف والمجلات، ودأب يستوفي المكافآت عليها، وهيكل أصبح بقلمه وحزبه ممن يدير دفة السياسة المصرية، وأي نفع يأتي من كرد علي وصحبه؟!».

وأغرب من ذلك كله قسوته على الأستاذ محمود شلتوت، أتدري ما السبب؟ إنه سبب يستوجب الاستغراق في الضحك من غير شك، قال - حفظه الله - «كان الشيخ محمود شلتوت لي صديقا قديما، عرفته في دار آل عبد الرازق الأكارم، ولما اضطهده الشيخ الظواهري في الأزهر كنت من أول الحانقين عليه، ولما نفس خناقه وأعيد إلى منصبه فرحت له فرحا كثيرا، أتدري ماذا كان مقامي عند عضو جماعة كبار العلماء؟ كان منه أن أهداني كتابا له وكتب على ظهره: «آية الإخلاص لصاحب العزة فلان». هذا ما جناه الأستاذ شلتوت وما استحق من أجله من الأستاذ كرد علي اللوم والتعنيف والتأنيب؛ حتى ختم ذلك بقوله: «إن المباينات بين أرباب العمائم وأرباب الطرابيش قديمة لا تحتاج إلى بيان»، وهكذا وهكذا من أمثال هذه الأحكام العجيبة للأسباب الغريبة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٦٠