تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المشاهد أن هناك جماعات تكون أسرع قبولا لفكرة الجديد، وجماعات أخرى أشد مقاومة للتجديد، فإذا كانت الجماعة من الجماعات التي تكونت حديثا، ولم تقيد بقيود ثقيلة من الأوضاع، كما هو الشأن في أمريكا، كانت أقرب إلى اعتناق فكرة التجديد، وكذلك الشأن إذا سادت فيها حرية الرأي، وحرية الصحافة، وحرية الخطابة، والتسامح الفكري والديني، كما هو الشأن في إنجلترا، أما إن كانت الأمة بدائية تقدس الآباء وما صدر عنهم كالذين قال فيهم الله تعالى:

إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ، أو كانت الأمة متدينة دينا جامدا لا تسمح فيه باجتهاد ولا تعمل فيه عقلا، ولا تقيسه بالمصلحة العامة، فهناك يكون الجمود، وسد الآذان، وإغماض العيون عن كل دعوة إلى التجديد.

ومن العجيب أن نرى بعض العادات الجديدة تنتشر في سرعة، وبعضها لا تنتشر مطلقا؛ أو في بطء شديد! فسفور المرأة المصرية كان عادة جديدة سرعان ما انتشرت حتى كادت تعم الشعب بأجمعه، ولكن لبس السيدات للبنطلون وللكورسيه ولعب الرجال للبياردو لم ينتشر، فهل سبب هذا أن العادة الجديدة إذا نبعت من صميم الشعب، ومن الطبقة الوسطى والدنيا كانت أعم، وإذا نبعت من الطبقة الأرستقراطية لم تعم؟ أو أن السبب في ذلك يرجع إلى المواءمة وعدم المواءمة، وتكاليف البدعة الجديدة كثرة وقلة.

وللأزمات فضل كبير على التجديد؛ فالأزمات الحربية مثلا قربت بين أمم ما كان يظن أن يقرب بعضها من بعض، وحملت على التفكير في مثل عصبة الأمم وميثاق الأطلنطي وهيئة الأمم المتحدة ونحو ذلك، وإن كانت ولدت تفكيرا ولم تتحقق عملا؛ والأزمات الاقتصادية كوقوع طائفة كبيرة من الناس في الفقر والمرض والجهل، كثيرا ما تحمل الأمة على التفكير في نظام الثروة وضرب الضرائب ووضع الخطط لمقاومة الفقر والجهل والمرض، وهكذا.

وحركات التجديد في عصرنا الحاضر أسرع منها في كل عصر مضى؛ لأن العالم أصبح وحدة، والفروق في الأزمنة والأمكنة قد قضي عليها؛ وما يحدث في أمة ينتقل عنها إلى أقصى العالم في سرعة البرق؛ ولذلك نرى حركات التجديد في الأفكار والنظم السياسية والنظم الاجتماعية والاقتصادية تغزو العالم بأسرع من غزو الحروب؛ وحسبك في ذلك تطور الشرق في القرن الأخير وقبوله أفكارا كثيرة جديدة من المدنية الغربية في الماديات والمعنويات ما كان يقبلها في العصور الماضية.

وما مظاهر القلق والاضطراب في العالم اليوم إلا مظاهر حرب بين جديد وقديم، وإن شئت فقل بين قديم ظهر فساده، وجديد لما يتضح ولما يحدد، ومن المشاهد أن مرافق الحياة في كل شعب متفاعلة ميالة بطبعها إلى إيجاد الانسجام بينها، فإذا دخل التجديد في مرفق منها فسرعان ما تنفعل لذلك سائر المرافق؛ كحوض الماء يصب فيه ماء بارد وماء ساخن، فسرعان ما يكتسب البارد سخونة والساخن برودة؛ حتى يكون منهما ماء في حرارة واحدة.

قد كان ذلك قديما في كل شعب، أما اليوم فالعالم كله على هذا الحال يتفاعل ويتفاعل ثم ينسجم وينسجم، والطبيعة دائما تميل إلى وحدة الوجود.

| مذكرات الأستاذ محمد كرد علي

نشر الأستاذ محمد كرد علي جزأين من مذكراته ضمنهما ترجمة حياته، وهي حياة طويلة حافلة؛ فقد عاش الأستاذ في أوساط مختلفة، ورحل رحلات كثيرة في الشرق والغرب، وانغمس في السياسة واكتوى بنارها، واشتغل بالصحافة مدة طويلة، والصحافة من أكبر المدارس في معرفة الحياة وألوانها، وصادق كثيرا من رجال الأدب والسياسة والعلم والمال والأعمال، وخبرهم وأطال عشرتهم، وعمر بحمد الله عمرا طويلا؛ فقد ذكر في مذكراته أنه في عشر الثمانين، وتقلب في مناصب كبيرة حتى كان وزيرا أكثر من خمس سنوات، فالمذكرات مظنة الإفادة والإمتاع.

وقد صاحبت الأستاذ كرد علي مدة طويلة، جالسته في مجمع فؤاد الأول في مصر، واستمعت إلى آرائه وبحوثه، وجالسته في لجنة التأليف والترجمة يوم كان يغشاها، وفي مجمع دمشق أيام كنت أزورها، وكونت فيه رأيا بعد طول الخبرة، هو أنه واسع الاطلاع على الكتب العربية، عليم بمصادر الموضوعات المختلفة وبخزائن الكتب، وهي شيمة أخذها عن أستاذه الشيخ طاهر الجزائري؛ فقد كان رحمه الله بحاثة في الكتب، عليما بخفاياها، حسن التقدير لغثها وسمينها، وقد أفاد الأستاذ كرد علي العالم العربي بما ألفه في هذه الناحية ككتابه «خطط الشام»، وبما نشر من كتب من مثل: رسائل البلغاء، وأخبار أحمد بن طولون.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٥٩