والواقع أن فكرة التجديد لا يمكن أن تقاس بالمتر؛ فقد يحدث من الأحداث ما يستوجب التجديد في زمن قصير، وقد يحدث منها ما يستوجب التجديد في زمن طويل، وليس التجديد مقصورا على الدين، فكل مرفق من مرافق الحياة يتجدد: الدين، والعادات والتقاليد، والأدب والغناء، والنظريات السياسية والعلم، وكل شيء في الحياة يتجدد؛ لأن هذه الأشياء كلها وليدة الزمان، والزمان في تجدد مستمر وحركة دائبة؛ فكم من الفرق بين الأدب الجاهلي والأدب الحديث! وكما قال الجاحظ: «كم من الفرق بين قول امرئ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
وقول علي بن الجهم:
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة
من الماء فيما بينا لم تسرب»
وفي كل شيء تجد هذا التغير: بين البيت قديمه وحديثه، والملابس قديمها وجديدها، وفن العمارة قديمه وجديده وقد ينضم إلى الفكرة أفراد الأعمال ما لا يأتيه الفرد العادي منفردا في حالة وعيه، والموسيقى قديمها وجديدها؛ وهكذا، وكل تغيير في مرفق من هذه المرفق العالم العالم يسمى تجديدا.
ولكن ما هو التجديد وما هي قوانينه؟ إن التجديد من ناحيته النفسية معناه مرونة العقل لإحلال الأوضاع الجديدة محل الأوضاع القديمة، أو تعديل القديم ليتفق والجديد، ومن ذلك يتضح أن التجديد يتخذ أحد شكلين: إما القضاء على القديم بالوسائل الثورية، وإما أخذ طرف من القديم وطرف من الجديد ومزجهما مزجا متناسبا بوسيلة سلمية هادئة، وقد أشار روسو في القرن الثامن عشر إلى أهم مظاهر التجديد؛ إذ وصفه بأنه «الأخذ بمبادئ الإنسانية والمبادئ العقلية والتسامح الفلسفي، وإحلال ذلك محل الأوضاع القديمة وتقديس السلطات والتعصب الضيق النظر».
وللتجديد قوانين تشبه القوانين الطبيعية في دقتها واطرادها وعدم تخلفها، وإن كان لا يزال بعض هذه القوانين غامضا معقدا.
تبدأ فكرة التجديد عند فرد أو أفراد قلائل، وتأتيهم هذه الفكرة من شدة شعورهم بسوء الحاضر، فيدعون إليها، ويؤلفون الحجج العقلية والشعورية للبرهنة على صحتها، وقد يحدث أن تقبل هذه الفكرة وتنتشر وتتسع كما تتسع الموجات؛ حتى تعم الشعب بأجمعه؛ ولكن كثيرا ما يحدث أن تقاوم الفكرة، ويدعو إلى مقاومتها أنها قد تسلب بعض أصحاب المصالح مصالحهم، وتفوت على المتمسكين بالقديم منافعهم، كما يحدث عادة عند اختراع آلات للنقل تحل محل أدوات النقل القديمة، وكما يحدث عند الدعوة إلى منهج في التعليم جديد يخالف منهجا في التعليم قديما أو نحو ذلك، وقد يدعو إلى اضطهاد الدعوة الجديدة خوف أصحاب السلطان منها؛ لأنها تذهب بجاههم أو سلطانهم، إذ ذاك يقف أصحاب المصالح المهددة وأصحاب السلطات المقررة في سبيل هذه الدعوة، فيضطر الداعون إلى مقابلة المقاومة بالمقاومة ومحاربة الفكرة بالفكرة، وقد يستدعي الأمر محاربة العنف بالعنف، فينقسم الناس إلى معسكرين: معسكر يناصر القديم، ومعسكر يناصر الجديد، والغلبة للقوة، ولسنا نعني القوة المادية فحسب، بل المادية والمعنوية معا.
وقد يجد دعاة التجديد أنفسهم أمام تيارين متناقضين، فيضطرون إلى منازلتهما جميعا، كالذي حدث في الاشتراكية؛ إذ رأى أصحابها أنهم مضطرون إلى منازلة فكرة الشيوعية المتطرفة، وفكرة الرأسمالية الجامدة.
ثم إن هناك ظروفا تساعد على نجاح الفكرة الجديدة؛ منها أن يعم الشعب الملل، والإحساس بسوء الحال، والطموح إلى حال خير من حالهم، ونظام خير من نظامهم، وعدل يحل محل ظلمهم، فتسري الدعوة إلى التجديد وإلى التغيير سريان النار في الهشيم، ويقرب من هذا أن تكون الدعوة إلى الجديد قريبة من أذهان الشعب، محركة لعواطفهم، محققة لآمالهم، أما إن كانت الدعوة تسبق زمنها بوقت طويل، ولا تلتقي مع عواطف الناس وعقليتهم الحاضرة فقل أن يكتب لها النجاح.