تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا!

أبو دلامة :

ولا أنا والله لك؛ إلا على جميل.

أبو دلامة :

أتقتل رجلا على دينك؟

الخارجي :

لا!

أبو دلامة :

إني والله أدين بدينك، وأريد الشر لمن أراده لك.

الخارجي :

جزاك الله خيرا، (وأراد الانصراف) .

أبو دلامة :

قف، إن معي زادا وأريد أن آكله، وأريد مواكلتك لتتأكد المودة بيننا ونري أهل العسكرين هوانهم علينا.

الخارجي :

أفعل!

فتقدم إليه أبو دلامة حتى اختلفت أعناق دابتيهما، ووضعا أرجلهما على معرفتيهما، وجعلا يأكلان، فلما رأى العسكران ذلك جعلوا يضحكون، وعاد أبو دلامة بعد الأكل، وقال للقائد: أنا كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه. •••

هذه هي حكمة أبي دلامة، وهي حكمة العالم كله، وهي الحكمة التي غابت عن الناس جميعا في بداوتهم وحضارتهم، فكانت الحرب المزمنة، ولو عقل الناس لفعلوا فعل أبي دلامة، لم يقاتل الجيش الجيش؟ هل بينهما خصومة؟! لا. هل بينهما ترة؟ لا. لو سأل كل جندي قرنه سؤال أبي دلامة لأجاب إجابة الخارجي، ولو سأل كل جيش الجيش الذي يقاتله هذا السؤال لأجابه هذا الجواب، بل هذه الحكمة هي التي غابت عن رؤساء الحكومات وقادة الحروب؛ فلو تساءلوا سؤال أبي دلامة، ما كان الجواب الحق إلا إجابة الخارجي.

والحق أن ليس بين الجيوش عداء إلا عداء مصطنع تبثه الوطنية المصطنعة، والناس يحاربون اتباعا لرأي القادة الذين يقعون تحت سيطرة الغفلة، وقد كان الناس قديما إذا نازع فرد فردا تقاتل الفردان، وأخذ أحدهما حقه أو ما يدعي أنه حقه بالقتال، فلما تحضروا حل العقل محل القتال وأنشئت المحاكم وأنشئ القضاء، ولكن عقل الأفراد ولم تعقل الحكومات، فلا تزال الحكومات تأخذ حقها أو ما تدعي أنه حقها بالقوة والحروب، فعل الإنسان المتوحش الأول.

لماذا يتقاتل الناس؟ إنهم يتقاتلون لأن حكوماتهم تريد القتال، ولماذا تتقاتل الحكومات؟ إنها تتقاتل لسبب من أسباب ثلاثة: أولها جميعا: أنها تتقاتل؛ لأن مريدة القتال تريد العظمة والسيطرة واتساع الرقعة، أو تريد زيادة المال لأمتها، واستغلال الغير لفائدتها، وإفقار الأمة المغلوبة لغنى الغالبة، وشرب دم المغلوب لري الغالب؛ أو تريد الفخفخة الكاذبة وحسن الصيت، والتبجح بأنها أعظم دولة، أو أقوى دولة، أو أنها لا تغرب الشمس عنها، أو أنها ذات الكلمة المسموعة في سياسة العالم وتوجيهه.

هذه هي الأسباب التي كانت من أجلها الحرب ولا شيء غيرها؛ فلننظر إليها بعين الحق، وإن شئت فقل بعين أبي دلامة؛ هل شيء منها أو هي كلها تستحق هذا الدمار في العالم، وهذه الدماء تجري أنهارا، وهذا الفزع يملأ النفوس، وهذه الأسر تفقد أبناءها وتشقى بقتل عائلها، وهذا الخراب وهذا الدمار، وهذا النقص في الأنفس والأموال والثمرات؟ إن القادة إنما يفعلون ذلك؛ لأنهم فقدوا عقولهم وغلبت عليهم شهواتهم، ولو عقلوا لرأوا أن لا شيء في العالم يساوي إزهاق روح واحدة، وأن المادة مهما عظمت لا يمكن أن تقوم بإنسانية مهما كانت جزئية.

أما بعد؛ فمن لقادة الأمم جميعا بعقلية أبي دلامة؟!

| التجديد والمجددون

حركات التجديد في عصرنا الحاضر أسرع منها في كل عصر مضى؛ لأن العالم أصبح وحدة، والفروق في الأزمنة والأمكنة قد قضي عليها، وما يحدث في أمة ينتقل عنها إلى أقصى العالم في سرعة البرق ... وحسبك في ذلك تطور الشرق في القرن الأخير ...

من الأحاديث الطريفة ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وقد أخذ العلماء يبحثون في رأس كل مئة سنة عن هذا المجدد الذي يصدق عليه الحديث، فقال بعضهم إنه عمر بن عبد العزيز على رأس المئة الأولى، والشافعي على رأس المئة الثانية، وابن سريج أو الأشعري على رأس المئة الثالثة، وأبو حامد الإسفرائيني على رأس المئة الرابعة، والخامس الغزالي، والسادس الفخر الرازي، والسابع ابن دقيق العيد ... إلخ. ويعجبني في هذا الحديث طرافته من حيث معناه وتقريره لفكرة تغير التشريع بتغير الزمان، ولكن لم يعجبني من الفقهاء تزمتهم الحرفي في تحديد مجيء المجتهد على رأس كل مئة بالحساب الدقيق، كما لم يعجبني فيهم تعصبهم المذهبي واعتقاد الشافعية أن المجدد يجب أن يكون شافعيا أبدا، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٥٧