اتخذ من نفسه ومن زوجه ومن ابنه أسرة للحيل والمكر، يبتز بها الأموال من الأغنياء، ويضحك منهم، ويضحك عليهم، ويصفه الجاحظ بخبرته النفسية، ودهائه في الاستجداء، ويستدل على ذلك بأنه أضحك المنصور يوما، فقال له: سلني حاجتك. قال: كلب صيد. قال المنصور: أعطوه إياه. قال: فدابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: فغلام يقود الكلب. قال: أعطوه. قال: فجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه. قال: لا بد لهؤلاء من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارا تجمعهم. قال: وإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟! فأعطاه ضيعة ... إلخ. قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها؛ حيث ابتدأ بكلب، وانتهى بضيعة، ولو سأله الضيعة ابتداء ما وصل إليها.
وتروي لنا كتب الأدب الكثير من فكاهته ونوادره وشعره الذي يستخدمه في الإضحاك.
ولندع هذا كله؛ ونروي له قصة رائعة حقا حكيمة حقا.
لقد كان أبو دلامة جبانا يخشى الموت، ويخشى أن يحمل سلاحا، ويخشى أن يشهد قتالا، وما له والقتال؟! فليس له إلا نكتة يقولها، أو أضحوكة يضحك بها، أو حانة يحتسي فيها الخمر، أو نحو ذلك من ضروب اللهو، أما ميدان القتال فيهرب منه هروب الفأر من القط، وعرف الخلفاء والأمراء منه ذلك، فكانوا يأمرونه أحيانا أن يتجهز للقتال؛ لينظروا كيف يفعل، وكيف يضطرب، وكيف يستغيث، وكيف يصير أضحوكة للناس بعد أن اتخذ الناس أضحوكة له.
أمره المنصور يوما أن يخرج إلى الشام للقتال، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج، فإني والله لشؤم. قال له المنصور: امض؛ فإن يمني يغلب شؤمك. فقال: لعمر الله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب في مثل هذا الموقف، فإني لا أدري أيهما يغلب! يمنك أو شؤمي؟ وأنا بنفسي أدرى وأوثق وأعرف وأطول تجربة. قال المنصور: دعني من هذا، فما لك بد من الخروج. قال: فإني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكرا كلها هزمت وكنت سببها، فإن شئت الآن أن يكون عسكرك العشرين فافعل. فضحك المنصور وأعفاه.
وليس هذا أيضا هو المقصود من هذا المقال، إنما حدث مرة أن أتي به إلى المهدي وهو سكران، فأراد أن يعاقبه، فجنده في جيش مع روح بن عدي بن حاتم المهلبي؛ لمحاربة الخوارج، وهم أصدق الناس قتالا، وأعنفهم حربا، وأنكاهم في عدوهم، وظل أبو دلامة يستعطف ولا يجد سميعا، فخرج مع الجيش وحاول أن يستعطف قائد الجيش روحا بن عدي المهلبي ويقول له:
إني أعوذ بروح أن يقدمني
إلى القتال فتخزى بي بنو أسد
1
إن البراز إلى الأقران أعلمه
مما يفرق بين الروح والجسد
قد حالفتك المنايا؛ إذ صمدت لها
وأصبحت لجميع الخلق بالرصد
إن المهلب حب الموت أورثكم
وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها
لكنها خلقت فردا فلم أجد
وهو شعر لطيف مؤثر، ولكنه لم يؤثر في «روح» ولم يستمع له؛ إذ كان هذا أمر المهدي، وهكذا أرغم على القتال فتقدم إليه كارها ساخطا خائفا، فجمع كل حيلته ودهائه للخروج من هذا المأزق، فماذا صنع؟
كانت عادة الخوارج أن يبدأوا القتال بالمبارزة، فيبرز رجل ويطلب من يبارزه؛ حتى إذا حمي القتال كانت حرب الكر، فخرج خارجي يطلب المبارزة، وأمر أبو دلامة أن يخرج له، وهنا كان الموت لا محالة من نصيب أبي دلامة، فأنى له أن يقف أمام الخارجي؟! قال أبو دلامة: أيها الأمير، إنه أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنا والله جائع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر له برغيفين ودجاجة، فأخذ ذلك وبرز إلى الصف ووقف أمام الخارجي، وكانت عيناه تتقدان، وأسرع إلى أبي دلامة يقضي عليه، فقال له أبو دلامة: على رسلك يا هذا. فوقف.
أبو دلامة :
هل كان بيننا عداوة قط؟
الخارجي :
لا!
أبو دلامة :
هل تعلم بين أهلي وأهلك وترا؟
الخارجي :