تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومدحت زوجة زوجها بأنه كثير المال، وقد أعد المال لقصاده، فقالت: «زوجي مالك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك»، وتريد بالجملة الأخيرة أنه تعود أن يلقى ضيوفه بالمزاهر، (والمزهر هو العود يغنى عليه) وقد تعودت إبله أنها إذا سمعت صوت العيدان والمعازف أدركت أنهن سينحرن لا محالة.

وجاء دور أم زرع فقالت: إنه زينني بالحلي، ووسع علي في الرزق، وأخرجني مما كنت فيه من ضيق في أهلي إلى نعيم في جنابه، فإذا قلت فيه فمجال القول ذو سعة، فذلك قولها: «أبو زرع وما أبو زرع، أناس

2

من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني

3

فبجحت إلي نفسي: وجدني في أهلي في غنيمة بشق،

4

فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق،

5

فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح،

6

وأشرب فأتقنح».

7

ويروي الحديث أن رسول الله لما سمع هذه القصة من عائشة قال لها: كنت لك كأبي زرع لأم زرع.

وفي هذه القطعة الأدبية مصداق للحياة البدوية، من إبل وخيل وصهيل ونقيق، وفيها أمثلة لما يذم من الأخلاق من بخل وعي وحمق وشره، وما يمدح من كرم ونحر للضيفان، وسعة صدر، وحسن عشرة، وفيها مثل من أمثلة ما يعجب المرأة العربية من الرجل، وما لا يعجبها ... إلخ.

ونقف عند هذا الخبر قليلا لنفكر: هل من المعقول أن يجتمع نساء كهؤلاء، فتقول كل زوجة على البديهة هذا اللفظ المزوق في هذا السجع المنمق، من مثل: عياياء طباقاء، ومن مثل: إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف ... إلى آخر الأسجاع، أو أن قصاصا لطيفا سمع بعض الحكايات المألوفة فوضعها في هذه الصيغة البليغة؟

ترى؛ لو اجتمعت إحدى عشرة امرأة حضرية في مجلس في القاهرة أو دمشق أو بغداد فماذا كن يقلن إذا ذممن، وماذا يقلن إذا مدحن؟ ستختلف اللغة كل الاختلاف، وستختلف المعاني أيضا كل الاختلاف، فلا يكون في اللغة بطيبعة الحال جمل ولا خيل ولا صهيل، ولا طويل النجاد ولا كثير الرماد؛ لأن كل بيئة لها حكمها، وكل زمان له لغته ومعانيه، وأكبر الظن أنه إذا اجتمع إحدى عشرة امرأة حضرية فمن الصعب أن يسود النظام والإصغاء؛ حتى يسمعن رأي القائلة في وصف زوجها، ومن الصعب أيضا أن يلتزمن الصدق، فسيكون منهن المتزيدة التي تسرف في مدح زوجها، أو ذمه؛ حتى تخرج عن المعقول.

وهب أننا افترضنا الصدق والنظام فستكون هناك معان للذم جديدة، ومعان للمدح جديدة، خلقتها البيئة الجديدة، وسترى بعضهن يشكون أزواجهن من السهر خارج البيت إلى ما بعد منتصف الليل في سكر أو قمار أو مغازلة نساء أو كيف من الكيوف، وهو معنى لم يتعرض له حديث أم زرع، وقد يشترك بعضهن مع نساء البدو في الوصف بالبخل وسوء العشرة؛ وإذا مدحن فقد يشتركن أيضا في المدح بالكرم وإغداق النعم عليهن ونحو ذلك.

ولكن مما لا شك فيه أن المدنية ستوحي لبعضهن بمعان جديدة؛ فقد تصف الحضرية زوجها بأنه أباح لها الحرية في كل ما تقول وتفعل، كما أباحت له الحرية في كل ما يقول ويفعل، وما يدرينا؟! لعل امرأة حضرية أخرى تصف زوجها الحضري بأنه استنوق فصار الناقة وصارت الجمل، وأصبحت الذئب وأصبح الحمل.

ولعل هذا الحديث يوحي لنا بوصف أحد عشر رجلا يجلسون فيصفون زوجاتهم، ويتعاقدون على الصدق في القول، إذا لكان مجلسا ظريفا يكمل مجلس أم زرع، ولعلنا نفعل.

| من الأدب العربي (2)

حكمة على لسان مهرج

من لقادة الأمم جميعا بعقلية أبي دلامة؟!

كان أبو دلامة مهرجا كبيرا في أول العصر العباسي، يضحك الناس بشكله وقوله وفعله وشعره، فكان أسود اللون، قبيح الوجه، سكيرا معربدا، وكان خفيف الروح، لطيف الشعر، حاضر البديهة، عارفا بنفوس الناس وما يسرهم وما يغضبهم، وخاصة الولاة والحكام، خبيرا بطرق اجتذاب المال منهم، وكان يقوم مقام (مضحك الملك)، كان مضحكا للسفاح والمنصور والمهدي، وتشيع نوادره وشعره وأقواله في بغداد فيخفون لها ويضحكون منها، ويخشى كل أمير أو كبير أن يجعله أبو دلامة موضعا لنكتة أو نادرة من نوادره، فيسبغ عليه عطاءه؛ حتى لا يكون موضع السخرية من الناس بما يتناقلونه فيه عن أبي دلامة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٥٥