وبعد؛ فإلغاء البغاء عمل مشكور، يرفع عن مصر وصمة إقرار الرذيلة إقرارا رسميا وتحصيل الضرائب عليها، ويتضمن حسن التقدير للكرامة الإنسانية، ولكن لا بد أن نعترف بأن البغاء نتيجة لا سبب؛ فإذا أردنا القضاء عليه وجب أن نعمل للقضاء على أسبابه، لقد أشرنا من قبل إلى بعض أسباب البغاء، فيجب أن نعمل لإلغائها كما ألغينا النتيجة، وإلا فإن بقيت الأسباب حاولت أن تنتج نتائجها في الخفاء، وفي ذلك الخطر الكبير، فإذا كان هناك مجرى من الماء وسددنا فوهته تجمع حتى يقوى فيزيل السد أو يتسلل في الخفاء حتى يجد له مسربا، يجب أن نعمل على رفع مستوى الحياة الاقتصادية حتى يقل الفقر فيقل العهر، وأن نعني بالتربية كما عنينا بالتعليم، فالتربية غير التعليم؛ فقد يكون الشخص متعلما وليس مربى، كما قد يكون الشخص متربيا غير متعلم، والذي يقف دون العهر هو التربية لا التعليم، وإن إلغاء البغاء ليس يكفي فيه إغلاق دوره وطرد محترفيه وتشتيت أهله، بل يجب مع ذلك توفير أسباب العيش لأهل هذه الحرفة الملغاة ومراقبة أهلها مراقبة دقيقة، والقضاء أيضا على دور الملاهي الخليعة التي هي سبب من أسباب الإغراء على البغاء، ثم إنشاء المستشفيات الصحية لمعالجة الأمراض السرية التي نتجت عن البغاء حتى نخفف نتائجه.
إن البغاء ثمرة شجرة خبيثة، فما لم تقطع جذورها تجددت ثمارها.
| من الأدب العربي (1)
حديث أم زرع
من أظرف ما روت كتب الحديث حديث أم زرع، وقد رواه المحدثون عن عائشة، وهي قصة لعلها كانت قصة شعبية عند بعض العرب سمعتها عائشة فروتها كما سمعتها، وتدور القصة على أن إحدى عشرة امرأة من نساء العرب ضمهن مجلس، وجرى بينهن ذكر الأزواج، فتعاقدن أن تصف كل زوجها ولا تكتم من أخباره شيئا، فكان المجلس بذلك معرض أزواج؛ منهن الراضية والساخطة، ومنهن المادحة والقادحة، ومنهن الفصيحة البليغة، ومنهن دون ذلك، وأيا ما كان؛ فالقصة تمثل نظر نساء العرب إلى أزواجهن، وتمثل الصفات الممدوحة والمذمومة في بيئتهن، ونكتفي بما استحسناه من وصفهن ذما كان أو مدحا؛ فبعضهن كانت تافهة لا قيمة لوصفها، وبعضهن أخلت بالوعد فخافت من وصف زوجها.
قالت إحداهن: إن زوجها غث هزيل، يجمع إلى قلة خيره سوء خلقه، لا ينال القليل منه إلا بالكثير من المشقة، وهو مع تفاهته مترفع متكبر يسمو بنفسه فوق موضعها، وقد عبرت عن ذلك بتعبيرها البدوي اللطيف: «زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى».
1
وذمت أخرى زوجها بأنه جشع شره، إن أكل أو شرب أتى على كل ما أمامه، وهو مع ذلك لا يسد حاجتها منه: «إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف».
وذمت ثالثة زوجها بأنه عيي، أحمق، سخيف العقل، يتخيل كل داء عند الناس داء فيه، طويل اليد؛ يضرب ويكسر، وذلك إذ تقول: «زوجي عياياء طباقاء، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلا لك».
هذا نوع من أنواع الساخطات القادحات، أما من مدحن، فقالت إحداهن: إنه حسن الرائحة، طيب الملمس، وكنت بذلك عن طيب سيرته في الناس وحسن عشرته؛ إذ قالت: «زوجي، الريح ريح زرنب، والمس مس أرنب».
وقدرت أخرى زوجها من ناحية المعنى فوصفته بأنها تسكن إليه وترتاح في جنابه، وتشعر بالطمأنينة؛ إذ كان زوجا لها وكانت زوجة له، لا تشعر من مصاحبته بسأم أو ملل، وعبرت عن ذلك تعبيرا لطيفا فقالت: «زوجي كليل تهامة، لا حر، ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة».
ولاحظت أخرى في زوجها معنى لطيفا، وهو أنه لطيف العشرة في البيت، خشن الملمس خارج البيت، لا يسأل عما افتقده في البيت، فقالت: «زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد».
ومدحت زوجة زوجها فقالت: «زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد». فوصفته بالشرف وطيب الأصل، والرفعة في قومه، وأنه طويل القامة، كثير الكرم، كثير الضيوف، وأنه اتخذ بيته قريبا من مجتمع القوم، ولا يفعل ذلك إلا كريم؛ لأنهم يأخذون منه ما يحتاجون إليه في مجالسهم.