ثم قد جربت الدول التي أقرت البغاء وضع هذه البيوت تحت إشراف البوليس لمراقبتها، ولكن دلت الأمور في جميع الدول على أنها تجربة فاشلة، فلم يستطع البوليس إزاء الحيل الدقيقة والألاعيب الخفية، وإزاء المغريات بالمال وغير المال أن يؤدي وظيفته كما ينبغي، فكان الأمر فسادا على فساد.
ثم كان أن إقرار البغاء والاعتراف ببيوت البغايا سبب في اتساع تجارة الرقيق الأبيض حتى إلى عهد قريب؛ فالبيوت إذا أقرت رتب أصحابها الخطط لاستيراد سلع جديدة، فجدوا في الحصول عليها بمختلف الوسائل، أحيانا عن طريق الإغراء، وأحيانا عن طريق التهديد والإكراه؛ وقد لفتت خطورة هذا الأمر نظر عصبة الأمم فدعت إلى اجتماع عقد في جنيف سنة 1921 وبثت خبراءها لكتابة تقارير عن تجارة الرقيق الأبيض في البلدان المختلفة وما يتبع ذلك من فساد، فقرروا «أن وجود الدور المرخصة عامل يزيد في الاتجار بالنساء، وأن التحريات التي أجروها لا تثبت هذا فحسب، بل تدل على أن الدور المرخصة في بعض البلدان تصبح مركزا لكل أنواع الفساد الخلقي».
ومن أجل هذا كان الاتجاه الحديث في الدول المختلفة نحو إلغاء البغاء وعدم الاعتراف به واتخاذ الوسائل لمنع أسبابه أو تقليلها على الأقل؛ حتى إنه في الإحصاء الأخير كان عدد الدول التي تحرمه ثلاثين دولة، والتي تقره ثماني عشرة، وكانت مصر معدودة من الدول التي تقره فنقصت واحدة. •••
ولكن ما الذي يحمل على البغاء؟ لقد قال قوم من علماء البيولوجيا: إن بعض الأفراد يصابون بالشذوذ الجنسي بحسب تكوينهم فيدعوهم ذلك إلى الإفراط في هذا الباب، وإن صح ذلك وصح العجز عن معالجته فهو قليل الحدوث، إنما الأسباب الهامة لذلك ترجع إلى عوامل اقتصادية واجتماعية.
فمن الناحية الاقتصادية كثيرا ما يكون الفقر سببا لهذا السقوط الخلقي؛ امرأة لا تجد من يعولها، ولا تجد حاجتها الضرورية من العيش والملبس، ولا تجد عملا تعمله فتتكسب منه، وليست متعلمة تعلما يمكنها من عمل شريف، وتجد أن الأبواب كلها سدت في وجهها، ثم تجد من يغريها بالفجور فتسقط. وقد دلت الإحصاءات على أن الفقر من أهم أسباب السقوط الخلقي، وأنه يكثر حيث يكثر الفقر، ويقل حيث يقل غالبا، وقد لا يكون السبب عدم حصول الفتاة أو المرأة على القوت الضروري؛ ولكنها ترى مثيلاتها يأكلن أكلا أنعم من أكلها، ويلبسن ثيابا أفخم من لبسها، وينعمن بالحياة أكثر مما تنعم، ولم يكن لها من المبادئ الأخلاقية ما يحصنها ويحميها، فتنزلق عند أول إغراء، ومن أجل هذا كان السقوط في المدن أكثر منه في الأرياف؛ لأن حاجات الإنسان ومطالب الحياة في المدن أكثر منها في الريف؛ ولأن سعة المدينة وكثرة سكانها يمكن المرأة من أن يجهل أمرها ولا تعرف حقيقتها ولا بيتها؛ فتجرؤ على ما لم تجرؤ عليه الفتاة المعروف بيتها المعلوم أمرها.
والأسباب الاجتماعية لهذا المرض كثيرة؛ فسوء التربية، والخطأ في فهم الحرية؛ واعتقاد أنها عمل الإنسان حسبما يشتهي ويهوى من غير قيد ولا رقيب، وانهيار المبادئ الأخلاقية التي تقدس العفة وتجعلها من أقوم الفضائل، وضعف الوازع الديني، وتصدع الأسرة، وكثرة الشقاق بين أفرادها، وانحلال روابط الزوجية فيها، وضعف سلطة الآباء والأمهات على البنات، وفراغ المرأة وعدم استطاعتها أن تجد ما يملأ وقتها بعمل مفيد أو بتسلية بريئة، وعدم تقدير العرف والرأي العام لخطر الزلل تقديرا صحيحا، وعدم استنكاره، واحتقاره للمرأة غير العفيفة، كل هذه أسباب اجتماعية للسقوط الخلقي في هذه الناحية؛ وإن كثيرا من المتعففين والمتعففات لم يحملهم على العفة حب في الفضيلة، ولا ترفع عن الرذيلة؛ إنما يحملهم على ذلك خوف الأمراض السرية الشائعة؛ فقد ظهر هذا الوباء في جنوبي أوربا في القرن الخامس عشر، واجتاح أوربا كلها في القرن السادس عشر حتى كان الموتى به ثلث السكان، وكاد يعم العالم، فعمل الخوف منه في نفوس الناس أكثر مما عملت الحكومات والوعاظ والرغبة في الفضيلة. •••