ومن النتائج المؤلمة للقول بالجبر أن هذا المذهب يسلم إلى القول بأن ما وقع ما كان يمكن أن لا يقع، وأن ما سيقع لا يمكن أن لا يقع؛ وبعبارة أخرى: ما وجد ما كان يمكن أن لا يوجد، وما سيوجد لا يمكن ألا يوجد، فليس لإرادة الخيرين المصلحين تأثير في الإصلاح، إلا على ضرب من التأويل، وهو أن المصلح - هو أيضا - مجبر على الدعوة إلى الإصلاح لتحقيق النتيجة المحتومة؛ وهو مذهب قد يريح معتقده ويبعث فيه الراحة والطمأنينة، ولكنه لا يستفز الإرادة لإصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج، ولعل إفراط المسلمين في العصور الأخيرة في عقيدة الجبر وغلوهم في الإيمان بالقضاء والقدر على النحو الذي اعتنقوه أخيرا، كان من أسباب قصورهم في إصلاح حالتهم الاجتماعية وتقدمهم وسيرهم مع الزمان، وربما كان من أكبر الفروق بين الشرقي والغربي، رضاء الشرقي عما كان وسيكون، وقناعته بحالته ولو ساءت، وثورة الغربي على ما يسوءه، وجده في تعرف أسبابه، وعلاج فساده.
كما أن من الصعوبات في هذا المذهب غموض التفرقة بين الخير والشر، فإنه إذا كان الكذب والجبن والظلم مقدرا أزلا، كالصدق والشجاعة والعدل، وأن المجرم في الحالة الأولى، والفاضل في الحالة الثانية، كل قد أتى بالأعمال التي قدرت عليه، فما الوجه للاختلاف في التسمية والاختلاف في التقدير؟ أوليس من غير المفهوم على هذا الأساس تسمية شيء بأنه خير وتسمية آخر بأنه شر؟!
وإذا عدنا إلى مذهب الاختيار وجدناه كذلك معيبا؛ فإن مذهب الاختيار بأوسع معانيه يجعلنا ننكر سير العالم - وخاصة التصرفات الإنسانية - وفق قوانين مضبوطة؛ فإذا كان الإنسان يمكنه أن يعمل وأن لا يعمل، ولا نستطيع أن نتنبأ بما سيعمله؛ إذ يصح أن يعمل غيره، كان المستقبل فوضى لا نستطيع أن نرسم أشكاله، وكان الحكم على الناس بأنهم أخيار أو أشرار مجالا للشك؛ إذ ربما يأتي الخير بأفظع أنواع الشر، ويأتي الشرير بأحسن أنواع الخير! •••
ها أنا ذا حائر في تفكيري بين الجبر والاختيار! وكل ما حدث أن سيارتي تكسرت، وأثار كسرها تكسير عقلي في الجبر والاختيار والمصادفة وعدم المصادفة، وأخشى أن أكون كذلك أتعبت عقل القارئ من غير وصول إلى نتيجة، والأمر لله.
| إلغاء البغاء
البغاء نتيجة لا سبب، فإذا أردنا القضاء عليه وجب أن نعمل للقضاء على أسبابه
أصدرت مصر في هذا الشهر أمرا عسكريا بإلغاء البغاء.
والبغاء داء قديم يكاد يكون تاريخه تاريخ الجمعية البشرية، وقد حارت الدول في شأن معالجته في كل العصور؛ فكانت أحيانا تعالجه بإقراره والاعتراف به ثم حصره؛ ووجهة نظرها في هذا الإقرار أنها إنما تفعل ذلك؛ حرصا على الأسر، فإنها رأت أن العهر لا بد منه ولا يمكن اتقاؤه، فإذا حاربته جهرا تسرب سرا، وبذلك ينتشر العهر أو الفجور في أوساط ما كانت لتزل لو وجدت أمكنة للبغاء معينة؛ فالبغي ماهرة ماكرة لها من الوسائل ما تستطيع به أن تنصب شراكها وتنفذ رغبتها سرا إذا عجزت عن تنفيذها جهرا، كما تستطيع أن تندس بين الأوساط الشريفة فتفسد أخلاقها وتضعف من عفافها، وإزاء هذه الحجة مالت بعض الدول في عصور مختلفة إلى الاعتراف بهن، وتخصيص بيوت لهن، وإرغامهن على تسجيل أسمائهن في سجل، وإلزامهن بثياب خاصة بهن حتى يعرفن، ووضع مراقبة شديدة عليهن، ومما احتج به أصحاب هذا النظر أن البغي عرضة للأمراض السرية، فمن الخير أن يعرفن ويحصرن وتقيد أسماؤهن؛ حتى يخضعن للكشف الطبي، وتبعد من ثبت مرضها وتعالج، فلا تنتشر بسببها العدوى.
هذه وجهة نظر الدول التي أقرت البغاء، ولكن نظرت بعض الدول الأخرى إلى المسألة من زاوية أخرى، فرأت أن إقرار الدولة للبغاء اعتراف بالمهانة الإنسانية، وإهدار للكرامة النفسية، وتشجيع على زيادة البغاء وموت الضمير؛ فمن علمت أنها بغي معترف بها قد سجل اسمها في سجل الحكومة تبلد ضميرها وماتت نفسها وزاولت مهنتها - في نظرها - كما تزاول الحرة مهنتها، وقل بعد ذلك أن يحيا ضميرها فتعدل عن عملها الخسيس ورد هؤلاء - على فكرة حصر المرض ومعالجته بالكشف الطبي - بأن هذا الكشف إنما يجري على النساء البغايا، ولا يجري على من يغشون دورهن من الرجال، وقد دلت الإحصاءات الدقيقة في أمريكا - مثلا - على أن عدد المصابات بالأمراض السرية 4,86 في الألف من النساء و10 في الألف من الرجال، والرجال يعدون كما تعدي النساء، وليس عليهم من رقابة ولا كشف طبي، أضف إلى ذلك أن إقرار البغاء يستتبع حتما وجود عدد كبير من الرجال يحترفون حرفا في منتهى الخسة والنذالة، يسقطون بها أكثر مما تسقط البغي؛ كالقواد وحماة البغايا ومحترفي وسائل الإغراء ونحو ذلك، وهم طائفة كالنباتات الطفيلية تمتص دماء السذج البسطاء، وقد تعيش عيشة الترف والنعيم على حسابهم.