ما هذا؟ وكيف حدث أن الغلام يخرج من الشارع فجأة وقت سير سيارتي ووقت سير الترام، ولم أكن في السيارة، وكيف نجا سائقها، وكيف اتفق مبلغ المكافأة مع مبلغ الإصلاح؟!
فكرت في هذا كله، أهذا قدر قدر أم مصادفة حدثت، وتسلسل تفكيري على النحو الآتي: ما معنى مصادفة؟ إن من العسير تحديد معناها، والناس يطلقونها على معان مختلفة، وكثيرا ما يستعملونها في معنى الخير ومعنى الشر؛ فتهشيم السيارة كان مصادفة سيئة، ونجاتي ونجاة السائق من هذه الصدمة ومجيء الحوالة المالية كان مصادفة حسنة، ولعل المعنى الذي يراد منها هو حدوث شيء غير متوقع وغير مرتبط بشيء آخر سابق عليه في الوجود، وليس له سبب معروف يوجب حدوثه، وكان يمكن أن يحدث ويمكن أن لا يحدث، وليس خاضعا للقوانين التي نعرفها ولذلك لا نتوقعه، فلسنا نسمي تعاقب الليل والنهار، ولا تتابع الفصول ولا غليان الماء بالنار، ولا تبخره إذا غلى، ولا شيئا مما عرفنا سببه مصادفة؛ لأنها كلها تابعة لقوانين معروفة يمكن أن نتنبأ بها، ونجزم بأنه إذا حدث السبب حدث المسبب، ولكن إذا كنت اعتزمت السفر غدا فجاء الجو جميلا والشمس ساطعة عددت هذه مصادفة حسنة، وإذا جاء الجو عكس ذلك عددته مصادفة سيئة؛ لأني أعرف وقت مجيء النهار فلا أسمي ذلك مصادفة، ولكني لا أعرف أنه سيكون صحوا أو غيما، باردا أو معتدلا، فأسمي هذا مصادفة؛ وما أسميه أنا مصادفة في هذا الباب، قد لا يسميه عالم الأرصاد مصادفة إذا كان يتنبأ بحالة الجو في الغد بناء على علمه، فالمصادفة إنما هي مصادفة عند الجهل بالقوانين، واحتمال أن الشيء يكون أو لا يكون.
وتساءلت بعد ذلك: هل هناك شيء يصح أن نسميه مصادفة؟ أو بعبارة أدق: هل في الوجود مصادفة، أم أن الوجود كله خاضع لقوانين ثابتة، نعرف بعضها فنسميه سببا ومسببا، ونجهل بعضها فنسميه مصادفة؟! هذا السؤال هو بعينه سؤال الجبر والاختيار، أو بعبارة أخرى سؤال الإيمان بالقضاء والقدر وعدم الإيمان بهما؛ وهو سؤال ظل الناس طوال العصور يحارون في شأنه ويختلفون في الإجابة عنه، كان ذلك في العصور القديمة، وفي العصور المتوسطة، وفي العصور الحديثة؛ واتخذ الناس وضع السؤال والإجابة عنه أشكالا مختلفة؛ ففي القديم كانوا يصوغونه: هل قدر على الإنسان كل ما يحدث له أولا؟ وهل إرادة الإنسان حرة أولا؟ وفي العصور الحديثة اتخذ وضعا آخر وهو: هل ظروف الإنسان وبيئته المحيطة به تجعله يتصرف تصرفا ما كان يمكن أن يتصرف غيره، أو أن إرادة الإنسان ليس شأنها شأن النبات والجماد والحيوان تسير في الوجود على وتيرة واحدة وعلى نمط في الحياة لا يتغير، بل هي حرة تمام الحرية، تتجه إلى الشيء وكان يمكنها أن تتجه إلى غيره، وتسلك هذا الطريق وكان في إمكانها أن تسلك الطريق الآخر؟! وهكذا من مختلف الأشكال في السؤال والجواب، والمحور في الجميع واحد.
ولئن كان الفلاسفة في جميع العصور لم يستطيعوا حتى اليوم أن يجيبوا إجابة حاسمة، فإنهم لم يتعبوا من السؤال والجواب، وظلوا يشكلون الصعوبة بأشكال جديدة ويجيبون عنها إجابات جديدة.
ومن المعقول أن من يقول بالجبر لا يقول بالمصادفة؛ فكل شيء مقدر على الإنسان في الأزل، سواء منه ما كان مظهره الاختيار أو مظهره الاضطرار؛ وإن تكلم بالمصادفة فمعناها في نظره شيء لم يجربه الإلف ولم يحدث في العادة، ولكن شأنه شأن غيره من المقدرات الأزلية، أما الذين يقولون بحرية الإرادة وحرية التصرف، فمجال المصادفة عندهم فسيح؛ فإن جميع شئون العالم وخاصة التصرفات الإنسانية كلها عالم مصادفات؛ غاية الأمر أن هناك مصادفات يكثر حدوثها وتكرارها على نمط واحد، فنعدل عن تسميتها بالمصادفات إلى تسميتها بالقوانين، والقوانين في نظرهم يمكن أن تتخلف؛ وهناك أحداث لم تؤلف ولم يكثر وقوعها على نمط واحد، فاكتفوا بتسميتها بالمصادفات.