وقد أدى كل ما ذكرناه من مسلك اليهود في الصناعات، والسياسة والمال، والجامعات، إلى تنافس شديد بين المسيحيين الأمريكيين واليهود الأمريكيين تنافسا سبب الخصومة والعداء، وكان لذلك مظاهر كثيرة؛ فبعض الجامعات الأمريكية تحرم الطلبة اليهود من الاشتراك في نواديها والمنظمات الاجتماعية فيها، وبعض الطلبة يعير بعضا إذا صاحب فتاة يهودية، مما اضطر بعض اليهود إلى ترك التعلم في بعض الجامعات؛ فرارا من الضغط الاجتماعي، وهم يلمزون اليهود بأنهم عيابون ظنانون أنانيون لا يتعاونون إلا مع أنفسهم، وكثيرا ما كان اسم اليهودي كافيا لحرمان صاحبه من الدخول في الجامعة أو حرمانه من منصب الأستاذية، أو نحو ذلك، ولذلك لجأ بعضهم إلى تغيير أسمائهم واستعارة أسماء مشتركة بين المسيحيين واليهود؛ للاستفادة من هذا الغموض في أعمالهم الخاصة.
واليهود الأمريكيون مع تكتلهم مختلفون من حيث طبقاتهم الاجتماعية، ومن حيث عقائدهم الدينية، ومن حيث الأمة التي ينتسبون إليها؛ من ألمانية أو بولندية أو نحو ذلك، فاليهودي الغني من الإسبان أو البرتغال يعد نفسه أعلى اليهود نسبا وأعظمهم جاها، ويليه الغني من الألمان، ولكن لكثرة عدد الألمان من اليهود وكثرة غناهم ربما عدوا أعلى طبقة.
وهؤلاء بما كسبوا من ألمانية متفوقة متعجرفة يحتقرون اليهودي الروسي والبولندي.
ولهذه الخلافات الاجتماعية والعنصرية أثر كبير في نشوب الخلافات المتعددة بينهم، ولكنهم مع خلافهم بعضهم وبعض يتكتلون تكتلا قويا إذا حزب الأمر وعرضت منافسة بين اليهود وغيرهم؛ فهم إذ ذاك يكونون كتلة واحدة قوية، ويقفون وقفة واحدة أمام غيرهم، ومهما يكن أمرهم فقد أصبحوا في أمريكا قوة كبيرة بتسلطهم على منابع الثروة والقوة والدعاية، فهم أرباب البنوك وأرباب السينما وأرباب الصحافة، وبذلك كان سلطانهم في أمريكا سلطانا كبيرا.
فهل يتخذ العرب من هذا كله درسا فيكتلوا أنفسهم، ويوحدوا كلمتهم، ويقووا مراكزهم في السياسة والمال وعدد الحرب والدعاية، ويفتحوا أعينهم لكل ما يجري في العالم مما يتعلق بهم وبمستقبلهم، ويدعموا حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخلقية بدعامة العلم الحديث؟ أو يظلوا متفرقين والعدو مجتمع، متصدعين والعدو ملتئم، قابعين في بيوتهم والعدو ينشط في كل الميادين؟ يسيرون سير الجمال والعدو يقفز بالطيارات، مكتفين بالدعوة بأن الحق معهم، والحق لا يغني ما لم تدعمه القوة، وقد كتب الله على نفسه:
أن الأرض يرثها عبادي الصالحون
وليس الصالحون من صلوا وصاموا ثم ناموا، إنما الصالحون من ضموا إلى عبادة ربهم رعاية حقوقهم وواجباتهم، وعرفوا كيف يسوسون الممالك ويدبرون أمورها على خير وجه وأقوم طريق، وتسلحوا بكل ما يقتضيه الزمان من سلاح مادي ومعنوي، أولئك هم الصالحون الذين يرثون الأرض، أما من عداهم فيرثون الذل والمسكنة في الدنيا والقبور في الأخرى،
إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم .
| مصادفة
هل في الوجود مصادفة؟ أم أن الوجود كله خاضع لقوانين ثابتة نعرف بعضها فتسميه سببا ومسببا، ونجهل بعضها فنسيمه مصادفة؟
خرجت في سيارتي أول أمس، وكان كل شيء على ما يرام: السائق متمرن والسيارة تسير سيرا حسنا والجو معتدل، وأوصلني السائق إلى حيث أريد، ثم استمر في سيره لعمل من الأعمال، وبينا هو يسير إذا غلام يخرج من الشارع فجأة وهو يجري، فيريد السائق أن يتفاداه فيصطدم بعربة ترام فيتهشم الجانب الأيسر من السيارة، ولم أشعر إلا والسائق يكلمني في التليفون؛ ليخبرني بما حدث.
وفي اليوم التالي استدعيت مندوب شركة لإصلاح العربة، فبعد أخذ ورد قرر أن يصلحها بثمانية عشر جنيها، وعدت إلى بيتي فوجدت خطابا مسجلا ففتحته فإذا فهي حوالة مالية بمبلغ ثمانية عشر جنيها، ولم أكن أتوقع هذا المبلغ مطلقا؛ لأني كنت أديت عملا علميا وأعطيت عليه مكافأة، وانتهى كل شيء، فإذا هم يذكرون مع هذه الحوالة أنها بقية المكافأة.