تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واشتهر اليهود حيثما حلوا بحب المال وما يتبع ذلك من مهارة في التجارة والمعاملات المالية من غير رحمة، فإذا أقرضوا استخدموا كل الوسائل لإيقاع المقترض منهم في الشباك، ثم امتصوا دمه من غير رأفة؛ كانوا كذلك في المدينة بين العرب؛ بيدهم الذهب، وبيدهم صناعة الحلي الذهبية، وهم الذين يقرضون بالربا أضعافا مضاعفة، وكذلك كانوا في أوربا، ولسنا ننسى التصوير البديع الذي صورهم به شكسبير في رواية «تاجر البندقية»، من أجل ذلك قوبلوا من الأمم التي يعيشون فيها بالكراهية والنفور والحذر، وهذا ما زاد اليهود حبا في تكتلهم وانطوائهم على أنفسهم وتكوينهم وحدة خاصة بهم.

ولم يستطع اليهود أن يستردوا كثيرا من حريتهم إلا عند الانقلاب الصناعي الذي حدث في أوربا وسيادة الروح الديمقراطية والنظام الديمقراطي وانتشار الدعوة إلى الحرية والإخاء والمساواة؛ ومع ذلك بقي كثير من الجفاء بين النصرانية واليهودية، وبقي تكتل اليهود وانفصالهم عن مجتمعهم إلى حد كبير، وأثار اليهود الضغينة من جديد؛ لأنهم حتى بعد الانقلاب الصناعي تسابقوا مع المسيحيين، وجدوا في أن يكون لهم منزلة ممتازة وسلطة قوية في الصناعات أيضا مع بقاء تكتلهم ومساعدة بعضهم بعضا ضد من يسابقونهم من النصارى.

ونعود إلى موضوعنا فنقول: إن اليهود لم يكونوا كثيري العدد في أمريكا قبل منتصف القرن التاسع عشر، ثم زادت هجرتهم إلى أمريكا من ألمانيا وسائر الممالك الأوربية على أثر الحركات الثورية التي حدثت في أوربا بعد سنة 1848، ومن سنة 1880 إلى الحرب العالمية الأولى هاجر إلى أمريكا آلاف من يهود بولندة وأوكرانيا والبلقان، ونزل أكثرهم في المدن الكبرى على ساحل البحر الأطلنطي، وفي شيكاغو وما حولها؛ وفي سنة 1940 بلغ عدد اليهود في نيويورك مليونين ونصف مليون، وهو نصف عدد اليهود في أمريكا إذ ذاك، وقد زاد عددهم بعد، فبلغ نحو ستة ملايين.

وما هاجر هذا العدد من اليهود إلى أمريكا حتى وضحت الظاهرة المزمنة، وهي الصراع الاقتصادي بين اليهود والمسيحيين، وكان النظام الرأسمالي في أمريكا مرتعا خصبا لليهود يجولون فيه ويسودون ويسيطرون؛ ومن أجل هذا شاع بين الأمريكيين أن اليهود لا يتجهون وجهة قومية، ولكن وجهة يهودية مالية بحتة عمادها السيطرة على البنوك؛ ومن العجيب أنهم اتهموا أيضا بمناصرة الشيوعية ونشر التذمر والقلق والاضطراب في الطبقات الدنيا من العمال وأمثالهم؛ وفسر بعض الأمريكيين ذلك بأن اليهود يلعبون على حبلين، فيناصرون الرأسمالية ويناصرون الشيوعية، وهم يستفيدون من هذا وذاك، وهم الرابحون إذا نال النصر والظفر هذا أو ذاك، وهذه هي بعينها الألعوبة التي لعبها الصهيونيون في فلسطين، وهذا الموقف الغريب من اليهود في لعبهم على الحبلين وانتصارهم للنقيضين، كان أحد الأسباب التي حملت هتلر على اضطهادهم وتشريدهم والتنكيل بهم.

ويهود أمريكا قد حافظوا على الصفة البارزة في يهود العالم، وهي تكتلهم وانطواؤهم على أنفسهم وتكوينهم أمة في الأمة، ومن أبرز ما فيهم أيضا ميلهم إلى الحركات اليسارية الاقتصادية والسياسية، ومن عجيب الأمر أن قد أجرى بعض الباحثين الأمريكيين تجاربهم على عدد من الطلبة في الجامعات الأمريكية، فثبت لهم بالبحث أن طلبة اليهود أقل تمسكا بدينهم من الطلبة المسيحيين، وأسرع إلى اعتناق مبادئ الإلحاد ، وقام الأستاذ كارلسون ببحث 215 حالة من طلبة جامعة شيكاغو، في الصفوف العليا، فوجد أن طلاب اليهود أشد اعتراضا على مبدأ تحريم الخمر، وأنهم أقل إيمانا بالله من أمثالهم من الكاثوليك والبروتستنت، وأنهم أيضا أشد تحمسا لمبدأ ضبط النسل والشيوعية والدعوة إلى السلم، وأن الطلبة الكاثوليكيين أشد تحفظا، والطلبة البروتستنيين وسط بين هؤلاء، وهؤلاء، ومما لاحظه الأمريكيون أيضا، مهارة اليهود - بجانب مهارتهم المالية - في الدراسات الجامعية، وخاصة الطب والقانون والتعليم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٤٩