الخلاف الشديد بين الأولاد وأبويهم في عقليتهم ومشاربهم، فالبنت تريد أن تذهب إلى السينما وحدها، والأب لا يرضى، والابن يريد أن يشترك في حزب سياسي، وفي نادي ألعاب، والأب لا يرضى، والبنت الثانية تريد أن تتعلم «الكمان» على معلم خاص، والأب لا يرضى، والابن الثاني يريد أن يشترك في فرقة التمثيل في المدرسة والأب لا يرضى، وأثقل شيء على الأبناء أن يحدثهم أبوهم عن ماضيه، وأثقل شيء على البنات أن تحدثهن أمهن عن ماضيها.
والأم في البيت متدينة، والأب بين بين، والأولاد لا يأبهون بالدين. •••
وقد حمدت المناسبات التي أطلعتني على هذه البيوت؛ لأن أطللت منها على بيوت القاهرة كلها في إجمال.
وتسألني: كيف عرفت دخائل هذه البيوت كلها؟ فأقول: إن المقادير تيسر أحيانا ما لا تيسره التدابير.
| اليهود في أمريكا
قد كتب الله على نفسه
أن الأرض يرثها عبادي الصالحون
وليس الصالحون من صلوا وصاموا ثم ناموا، إنما الصالحون من ضموا إلى عبادة ربهم رعاية حقوقهم وواجباتهم
لعل من الخير أن يعرف قراء العربية تفاصيل كثيرة عن مركز اليهود في العالم؛ لأن ذلك يلقي ضوءا على الحوادث التي تقع بين العرب والصهيونيين في فلسطين، وتوضح موقف الدول منهم ولم تناصرهم؛ ولعل الكتاب يكثرون من بحث هذا الموضوع والكتابة فيه؛ لأن مسألته مسألة اليوم وأزمته أزمة الساعة، ولنبدأ اليوم باستعراض لموقف اليهود في أمريكا؛ لأنها أكبر دولة تؤيدهم في السر والجهر، وفي السياسة والمال.
وتاريخ اليهود في كل أمة تاريخ طويل، في بلاد العرب وبين المسلمين، وفي إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، وأخيرا في أمريكا، فهم حيثما وجدوا سببوا حركة حولهم وشعور تخوف منهم، وحذر من أعمالهم؛ وأكبر سبب في ذلك أنهم لا يذوبون في الأمم التي يعيشون فيها، فاليهودي الإنجليزي يهودي أولا، وثانيا، وثالثا، وربما كان إنجليزيا رابعا، وكذلك اليهودي الألماني والأمريكي ... إلخ، وهم لا يقتصرون على المحافظة على شخصيتهم وجنسيتهم من ناحية الدين، بل هم كذلك في ناحيتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فهم دائما يكونون أمة داخل كل أمة.
هذا تاريخهم قبل النصرانية وبعدها - قبل الإسلام وبعده - في عالم الشرق وعالم الغرب، وقد وضعوا فلسفتهم الاجتماعية والدينية على أساس هذه الفكرة، فكرة الانفراد والانفصال وعدم الذوبان في الأمم التي يعيشون فيها، وتكوينهم نواة منفردة وسط المحيط الذي يعيشون فيه، على نمط لم يعرفه التاريخ لأي مذهب ديني أو اجتماعي آخر، وقد فسر بعضهم هذا بأنه «مركب نقص» دعا إليه شعورهم بقلة عددهم، ولكن هذا تفسير لا يكفي؛ لأن كثيرا من المذاهب الدينية والاجتماعية كان معتنقوها أقل عددا، ومع ذلك لم ينفصلوا هذا الانفصال ويعتزلوا هذه العزلة ويستقلوا بأنفسهم هذا الاستقلال.
ومن أجل هذا الانفصال وجد عند الأمم التي يعيشون فيها نوع من الكراهية لهم، كما يكره من الجماعة الرجل النفور الذي يعيش لنفسه فقط؛ وكان هذا الكره متبادلا، يقتصر أحيانا على ما في النفس، ويتحول أحيانا إلى عسف وعنف، فلما تحولت الدولة الرومانية إلى دولة نصرانية، وسادت هذه الديانة كان اليهود فيها موضع الكره والعسف في كل أقطار المملكة الرومانية، ولما جاء الإسلام عاملهم الرسول أول الأمر معاملة إحسان وإكرام، ولكن سرعان ما تبين ميلهم إلى الوحدة والانفصال وتدبير المؤامرات لبذر بذور الشقاق بين المسلمين؛ فكان الخصام وكان القتال بين المسلمين وبني قريظة وبني النضير من اليهود، ونزلت
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .
وهكذا كان الحال بعد بين اليهود والنصارى، واليهود والمسلمين، وإن كان المسلمون أحسن معاملة وأوسع صدرا وأكثر احتمالا، فطالما عانى اليهود أشد العناء من معاملة النصارى لهم، وكثيرا ما حرموا عليهم الملكية واضطروهم أن يسكنوا في أحياء خاصة، ومنعوهم من استعمال حقوقهم المدنية.