علاقة الأبوين بالأولاد متأثرة بضيق النفس من سوء العيش؛ فضرب كثير، وسباب كثير، وأحد الأبناء رضيع، والثاني فطيم، والثالث في مدرسة أولية، والبنتان تربيهما الحارة ، لا يهم الأسرة من الحكومة ونظامها ومن يتولاها إلا إعانة غلاء المعيشة ومسائل التموين، إذا مرض مريضهم طبوا له بالوصفات البلدية، فإذا اشتد الأمر لجأوا إلى المستشفى في حيهم، فيلقون أشد من المرض؛ حتى يكشف على مريضهم، ويصرف له الدواء.
أخلاقهم خاضعة للعرف والتقاليد والرأي العام لأهل الحارة أكثر من خضوعها للعقل والتربية الصحيحة، يسيرهم في كثير من شئونهم ما يدور بينهم من خرافات وأوهام وجن وعفاريت، في الطب، وفي السعادة، والشقاء، وما يؤكل في المواسم، وما يقال من تعاويذ؛ وسمرهم بالليل إنما هو ما يحدث به الرجل مما جرى في المدرسة، وما حدث من زملائه الفراشين، وما تحدث به المرأة مما جرى في الحارة وما سمعته عن بيوت الجيران، وقد يتحدث الأطفال عما جرى أثناء لعبهم مع أولاد الحارة.
وللدين مجال في البيت، فالرجل لا يحافظ على صلواته كلها في أوقاتها، ولكنه يحرص على صلاة الجمعة، والمرأة لا تصلي، ولكنها وزوجها وكبير أولادها يصومون رمضان، وهم جميعا يذكرون الله، وخصوصا في تصرفاته في الغنى والفقر، والإسعاد والإشقاء، وقدرته التامة على أن يعز من يشاء، ويغني من يشاء. •••
وتمت فصول الرواية بزيارة بيت ربه موظف في وزارة الداخلية في الدرجة الثالثة، يتقاضى خمسين جنيها في الشهر، قد رزق ثلاثة بنين وبنتين، يسكن شقة بخمسة جنيهات (إيجار ما قبل الحرب)، أعد ثلاث غرف للنوم، وغرفة للاستقبال، وغرفة للأكل، وبغرف النوم مكاتب لمذاكرة الأولاد، والبيت مؤثث أثاثا وسطا أكثره قد قدم به العهد، فهو يصحبهم من أيام الزواج، وقد أدخلت عليه التجديدات الضرورية، وبه راديو ونور كهربائي، وعندهم خادمة واحدة تساعد السيدة في شئون البيت من طبخ وغسل، والمطبخ لا بأس به، ففيه «وابور جاز»، وأدوات الطبخ الضرورية، وأكلهم في الصباح فول وبيض ولبن، ومن حين لآخر يزيدون جبنا ومربى، وغداؤهم طبق لحم وطبق خضار، وطبق أرز، وبرتقال في الشتاء، وبطيخ أو شمام في الصيف، ويومان في الأسبوع لا لحم فيهما، والعشاء من باقي الغداء أو حيثما اتفق.
والبنون أحدهم في كلية التجارة، والثاني في مدرسة ثانوية، والثالث في مدرسة ابتدائية، والبنتان إحداهما في مدرسة ثانوية، والأخرى في الثقافة النسوية، وجميعهم بمصاريف إلا الأخيرة فقد قبلت مجانا.
ولكل من الوالدين والأولاد «بدلتان» شتويتان وأخريان صيفيتان، وهذه الملابس للآباء والأبناء والبنات تفصل ويخيط عند خياط وخياطة ولا تشترى جاهزة.
والأبوان يشكوان مر الشكوى من قلة الدخل وكثرة الصرف، وخاصة في أشهر الأقساط المدرسية، ولا يأتي آخر الشهر حتى يكونا قد لهثا من طول الشوط مع ثقل الحمل.
والسيدة تقضي صباحها في شئون البيت، وعصرها في استقبال زائرة أو رد زيارة، والأب يقضي صباحه في وظيفته، وعصره في مقهى، ومساءه بين أسرته.
والأولاد إذا حضروا من مدارسهم ذاكروا دروسهم، ويوم الخميس يذهبون إلى سينما أو مشاهدة رواية، وسمرهم في المساء يدور حول ما سمعت السيدة من صواحبها، وكثيرا ما يتحدث الرجل في العلاوات والترقيات وفصوله مع رؤسائه ومرءوسيه، وأحيانا يتحدث مع أولاده في تجاربه في حياته، ويقص عليهم ما كان منه من جد ونشاط وتفوق وذكاء أيام دراسته.
وقد لاحظت في هذه الأسرة شيئين لم أرهما في الأسرتين السابقتين: (أحدهما):
طموحها الشديد؛ لأن تتشبه بالأغنياء وخاصة في المظاهر، فهم يقلدون ما أمكنهم معيشة الأغنياء في بيوتهم وإن لم يكن لهم مقدرتهم، وإذا لم يستطيعوا ذلك عملا فلا أقل من أن يقولوه قولا أو يصطنعوه طلاء. (والثاني):