تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تشعر بفرق بين هذا القصر وبين أمثاله من القصور العظام في أوربا، إلا بما ترى أحيانا من خدم سود، أو تسمع آونة من لغة عربية.

هذا هو المكان؛ أما السكان؛ فالباشا عميد البيت، والسيدة ربة القصر، وابن واحد، وبنت واحدة، ثم عدد من الخدم: رجال ونساء، كبار وصغار، مصريون وأجانب، هذا طاه، وهذا مساعده، وهذا لإعداد المائدة، وهذه للشراب، وهذا لتنظيف الدور، وهذه لإعداد ملابس الباشا الأول، وهذه لإعداد ملابس السيدة، وهذه تمسك مفاتيح الخزائن من مأكول ومشروب، وهذه لخدمة البيك، وهذه لخدمة الآنسة، وهذه الأوربية للإشراف على جميع خدمة البيت.

أما الباشا فحينا في الوزارة، وأحيانا خارجها، فأما حين يكون في الوزارة فهو لا يعرف ليله من نهاره، بين مقابلات لا تنتهي، وأعمال ليس لها أول ولا آخر، ودعوات تتزاحم في الوقت الواحد، وأما حين يكون خارج الحكم فصباحه في نادي محمد علي، ومساؤه المبكر في زيارات وواجبات اجتماعية، ومساؤه غير المبكر في المنزل مع زواره، وأحيانا يأتي بعض الزائرين والزائرات فيشتركون مع ربة البيت في لعب «الكونكان» إلى الساعة الواحدة أو بعد ذلك.، ومن حين لآخر يقرأ في كتاب، وفي الفترة بعد الفترة يذهب إلى العزبة؛ ليشرف على شئون زراعته.

وأما السيدة ربة البيت فتصحو في الضحى، وتنتهي من إفطارها في العاشرة، ثم تخرج لزيارة بعض صواحبها، وفي بعض الأيام تساهم في بعض الأعمال الاجتماعية، وفي العصر تقابل بعض الزوار، وأحيانا تحيي الليلة في سمر ظريف، وأحيانا في سماع غناء لطيف، وأحيانا تشترك في لعب «الكونكان».

وأما الفتى الشاب ففي كلية من كليات الجامعة، يقضي في كل فرقة سنتين أو أكثر؛ لقلة إقباله على المذاكرة وضعف استعداده، وهو مشترك في نادي الصيد ونادي التجديف، وفي المساء له «غطسات» لا يعرفها أهله ولا «أنا»، وله سيارة خاصة، يسوقها بنفسه، كما للباشا سيارة، وللسيدة سيارة.

وأما الآنسة ففي مدرسة الليسيه، تعرف من الفرنسية أكثر مما تعرف من العربية، وتكثر من قراءة الكتب الفرنسية، ولا تقرأ - أو هي تحتقر أن تقرأ - كتابا عربيا، وتقضي بعض أوقات فراغيها في التطريز والتصوير، وتصرف الزمن الطويل هي ووالدتها في اختيار ما يناسب من الملابس وتفصيلها على أحدث «بدع»، وفي ابتياع أدوات الترف والزينة من المحال الارستقراطية التي لا يضع فيها الجمهور قدمه، وإذا أتت مصر الفرقة التمثيلية الفرنسية لم تفتها أية رواية.

تحريت طويلا عن ميزانية هذا القصر فعلمت بعد أنها لا تقل عن ثمانمائة جنيه في الشهر؛ فمصروف المطبخ اليومي بين ستة جنيهات وثمانية، والطاهي وحده يأخذ ثمانية عشر جنيها، وعلى هذه النسبة سائر الخدم، ولا تسل عما يصرف على الملبس والكماليات.

وأخلاق الأسرة على نمط الأخلاق الأوربية، فهم يتحرون الصدق في القول، والوفاء بالوعد، وتنفيذ الكلمة تصدر منهم كأنها صك، ويؤدون الواجبات الاجتماعية والمالية خير أداء، ويعتزون بالمال والجاه والنسب أكبر اعتزاز، أما الرحمة والشفقة والإحسان والتواضع فأخلاق شرقية لا يعبأون بها.

وأما الدين فليس له مجال في البيت؛ فلا صلاة ولا صيام، وإنما يذكرون الله في المناسبات كدعوة لمريض أو ترحم على قريب أو صديق، والحجرة الوحيدة التي تقام فيها الصلاة لأوقاتها هي حجرة البواب النوبي بجوار الباب. •••

وشاء القدر أن أزور أيضا بيتا لفراش مدرسة، ولزيارة بيته قصة طويلة حرية أن أفرد لها مقالا، مرتبه ستة جنيهات وفيها العلاوة، ولم تستطع سيارتي أن تدخل في زقاقه فترجلت، واضطررت بعد قليل من المشي أن أضع منديلي المعطر على أنفي.

وجدته وأهله يسكنون حجرتين في الدور الأرضي من الدار، قليل ضوؤهما، فاسد هواؤهما، قد رزق ستة من الأولاد، أربعة أبناء وبنتين، يأكلون من الخبز فقط بجنيهين ونصف، وقد لا يكفيهم؛ قد استعان على معيشته بابنه الأكبر، فهو صبي في مطبعة بثمانية قروش في اليوم، يفطرون كل يوم بقرشين فولا مدمسا بزيت، ويعيشون أكثر أيام الأسبوع على الطعمية والعدس والجبن والفجل، ولا يأكلون اللحم إلا ليلة في الأسبوع، لكل واحد منهم ثوب واحد لا يغيره حتى يبلى، يتدفأون في الشتاء (بدفاية) يشعلونها بقليل من الخشب والحطب، وإذا أسعفهم الحال فقليل من الفحم البلدي، أثاث بيتهم حصير في كل حجرة، ومراتب وألحفة تطوى نهارا وتفرش على الحصير ليلا، إضاءتهم بمصباح يوقد «بالجاز»، ولا مطبخ لهم، إنما في ركن من أركان إحدى الحجرتين بعض الحلل وبعض الأطباق و«وابور بريموس» قديم لا يرى نحاسه من كثرة صدئه، يتسلون أحيانا بسماع الراديو من بيت الجيران.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٤٦