تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا أحسسنا الشمس قد اشتدت حرارتها وأخذنا منها بنصيب وافر، فاقترحت عليه أن ننتقل إلى مكان آخر بين الظل والشمس؛ فتظللنا فروع الشجر ظلا متموجا يذهب ويجيء فنكون بين برودة الظل ودفء الشمس ...

هو :

أليس هذا تدخلا في الطبيعة وفي إرادة الله على قولك؟! لا؛ لا، إن النظر إلى الطبيعة وإرادة الله بهذا المعنى نظر غير صحيح، وما نفعله الآن في مراعاة مصلحتنا من انتقالنا من شمس إلى ظل، ومن ظل إلى شمس، هو القانون العام الذي أراده الله في اختيار المصلحة، والعمل على وفقها بحسب عقولنا.

وأحسسنا بالجوع فأكلنا، وبالشرب فشربنا، وبالراحة فاسترحنا، وتحدثنا حديثا خفيفا في الجو الصحة والسياسة، ولم أشأ أن ينقطع الحديث عن ضبط النسل؛ فقلت: وما رأيك في الأضرار الصحية التي تحدث من ضبط النسل؟

هو :

لقد أحس الناس من قديم حاجتهم إلى ضبط النسل؛ فما يروى عن العرب من وأد البنات، وما يروى عن غيرهم من قتل الأولاد صغارا، مما كان يجري في الصين والهند ونحو ذلك، ليس إلا ضربا من ضروب تحديد النسل وإن لم ينطبق عليه هذا اللفظ انطباقا تاما، وقد سار العمل في تحديد النسل وفقا لنشوء الإنسان وارتقائه؛ فقد كان عملا ساذجا في الأمم البدائية، من استعانة على منع الحمل بالطرق السحرية، أو (طب الركة)، أو الإجهاض على شكل شنيع، أو استعمال بعض العقاقير ونحو ذلك مما كان يسبب أضرارا بليغة؛ ولكن بتقدم المدنية والحضارة جعل هذا في يد الأطباء لا في يد الأفراد، وقد كانت أوربا وأمريكا على مثل قولك الآن في محاربة الطبيعة ومحاربة إرادة الله، فكانت تحرم ضبط النسل، وتحاكم من قام بهذه الدعوة، ولكن كانت هذه المحاكمة سببا في انتشار الفكرة لا في إماتتها، واضطرت الحكومات أخيرا إلى الاعتراف بهذا العمل وإباحته؛ فأنشأت المستشفيات الطبية للقيام بهذه المهمة متى وجد أن لا ضرر منها، وألفت الكتب الكثيرة لإرشاد الأمهات إلى ما يجب عليهن عمله، إن أردن تحديد النسل؛ وأذكر أني قرأت أنه كان في إنجلترا في سنة 1929 أربعون مستشفى لهذا الغرض، وأن الجمعية الطبية من المجلس القومي البريطاني المؤسس للنظر في الأخلاق العامة أعلنت بالإجماع أن لا توجد عقبات في سبيل زوجين أرادا أن يعرفا الوسائل لمنع النسل؛ لأسباب صحية، أو لكثرة، أولادهما أو لفقرهما.

أنا :

أشعر أن كلامك - كعادتك - مستقيم مقنع من الناحية العقلية، ولكني أشعر أنه ينقصه شيء من العواطف.

هو :

ومتى كان الإصلاح يبنى على العواطف والمشاعر؟ إن الإصلاح في كثير من الأحيان يلجأ إلى محاربة العواطف والمشاعر، وهل حرمة الإلف والتقاليد إلا عواطف ومشاعر؟! دع عنك هذا واصغ لحكم العقل. •••

وجاء موعدنا فركبنا السيارة وعدنا، وكان من حظه أن وجدنا الترام في الجيزة أسوأ مما وصفنا، فنظر إلي وقال: اسمع، ادع إلى ضبط النسل.

| البيوت الثلاثة

لقد أطللت من هذه البيوت الثلاثة على بيوت القاهرة كلها في إجمال ...

أتيح لي في هذه الأيام أن أزور بيوتا ثلاثة في القاهرة، وأتقصى أحوالها، ومظاهرها، ومعيشة أهلها.

فأما أولها فبيت لغني كبير، ورث ثروته عن آبائه، وحسنها ونماها: قصر فخم بني على أحسن طراز، وله حديقة غناء سعدت بأحسن الأشجار، وأجمل الأزهار، أفرد منها مربع للعبة «التنس»، وتدخل القصر فيبهرك جماله وأثاثه، كل حجرة فيه فرشت بعناية على طراز خاص، وروعي في أثائها أن يكون منسجما مع لون الورق الذي كسيت به حيطانها، ومع اللون الذي ينبعث من مصابيحها؛ وقد فرشت أرضها بالسجاد العجمي الذي تغوص فيه قدم السائر عليه، وإذا أضيئت مصابيحها رأيت النور ولم تر مصدره، وأعد الدور الأول للاستقبال، والدور الثاني للنوم، وأعدت غرف النوم بأجمل الأسرة وأفخمها، وأثمن الفراش وأنظفه، وشغلت ملاءات الأسرة بأجمل أنواع التطريز، وبجانب كل غرفة نوم حمام يجري فيه الماء الساخن والبارد، وجهزت بعض الحجر بتكييف الهواء، وبالمدافئ المعدة في الحوائط يستخدم فيها الفحم والمدافئ المتنقلة بالكهرباء، وبه التليفون الثابت والمتنقل والراديو الثابت والمتنقل، وقد علقت في الحوائط لوحات من أجمل ما صنع الفنانون، ووضعت في الحجرات والغرف طرف كثيرة على شكل أنيق ووضع جميل، أما المطبخ فأعجوبة الأعاجيب؛ نظافة وأدوات كهربائية وغير كهربائية وأفران، وقوالب مما يسهل للطهاة إعداد كل ما تشتهيه الأنفس، وبالطابق الأسفل حجرة أعدت للمشروبات إعدادا فاخرا، وملئت دواليبها بمختلف الأنواع، وصففت تصفيفا فنيا يهيم به أمثال أبي نواس ...

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٤٥