أما إذا كان البيت مملوءا بالأولاد، والأم تحمل ولدا، وتفطم ولدا، وتجر بيدها ولدا، فالويل كل الويل لهذه الأسرة، والويل كل الويل للمجتمع من أمثال هذه الأسرة، ولو كانت مرافق الحياة ومنابع الثروة في الأمة تزداد بنسبة عدد السكان لتقبلنا حجج القائلين بإباحة النسل في شيء من سعة الصدر، أما والسكان يتضاعفون ومنابع الثروة لا تنمو بهذه النسبة ولا بقريب منها فضبط النسل واجب لا شك فيه، إن محاربتنا للأعداء الثلاثة؛ من فقر، ومرض، وجهل، عديمة الجدوى ما دام باب النسل مفتوحا من غير حساب؛ فكل جهودنا - إذا - ضائعة أو قليلة المنفعة؛ ومثلنا إذا مثل من يرمي قنطار سكر في النيل ليحليه، أما إذا قل النسل استطعنا أن نعلم النسل الجديد القليل، وأن ننظم حالته الصحية، وأن نعالج فقره وفقر أسرته في الحدود المعقولة.
وإلى جانب هذا وذاك، هناك الحالة النفسية التي تصحب قلة النسل؛ فالأم تهدأ أعصابها إذا اقتصرت على تربية ولد أو ولدين وتجد مجالا لراحتها، والأب تطمئن نفسه - ولو كان فقيرا - بعض الاطمئنان، ويجد فيما يكسبه - ولو قليلا - قدرة على سد الحاجات الضرورية له ولأولاده، هذا من ناحية الفرد، أما من ناحية المجموع فالأمة مجموع أسر، فإذا حسنت حالة الأسرة حسنت حالة الأمة؛ وإذا كانت الأسرة يتعلم أبناءها ويجدون غذاءهم الصحي وملبسهم النظيف وتعلمهم الضروري؛ ارتقت الأمة تبعا لذلك، وليست الأمة تقدر قيمتها بعدد أفرادها، ولكن تقدر بنوع أفرادها، ولا تقدر بكميتها، ولكن بكيفيتها، والنظر الساذج المنحط هو الذي يقدر الكمية، فإذا رقى قدر الكيفية، ولأن تكون الأمة المصرية خمسة ملايين راقين يعيشون عيشة سعيدة، خير من أن يكون عددها عشرين مليونا؛ وهي كما هي: فقر وبؤس وجهل ومرض وشقاء.
لقد كانت الطبيعة تقوم بما يقوم به ضبط النسل، فتبعث من حين إلى حين كوليرا أو مرضا وبائيا يهز الناس ويغربلهم ويقلل من عددهم، فتعيش بعد ذلك عيشة معقولة؛ أما وقد تقدمت شئون الصحة فالأمر من كثرة السكان سيكون مخيفا مرعبا، قد كان يكون معقولا بعض الشيء ألا نحدد النسل لو كانت الأمة المصرية ترحل من بيئتها المزدحمة إلى بيئتها غير المزدحمة، ومن قطر إلى قطر، أما وهي لا يحب أهلها أن يرحلوا من القاهرة إلى طنطا، ولا من المنوفية إلى البحيرة، ولا من أي بلد إلى بلد قريب، فالمسألة أدهى وأمر.
أنا :
ولكن أليس هذا العمل محاربة للطبيعة؟
هو :
محاربة للطبيعة! كيف ذلك؟ إنه تنظيم للطبيعة، لا محاربة للطبيعة؛ فليست المدنية في جميع أشكالها إلا تنظيما للطبيعة، انظر إلى فيضان النيل، هذه هي الطبيعة، ولكن نقيم عليه سدودا تنظمه، والبخار ينبعث من الماء الحار، وهذه هي الطبيعة، ولكن ننظمه فنسير به القطارات وأمثالها، والجو مملوء بالكهرباء وهذه هي الطبيعة، ولكن نأخذها فننظمها، فلماذا يكون هذا وحده هو الذي نقف عنده ونقول: إنه ضد الطبيعة؟!
أنا :
فليكن كذلك، ولكن أليس هذا عصيانا لإرادة الله؟!
هو :
ولا هذا، فإذا تركنا النسل من غير أن نحدده فهذه إرادة الله، وإذا حددناه فهذه إرادة الله أيضا، أولسنا نفعل هذا في كل شيء؟! ألسنا في الزراعة نخفف الزرع إذا وجدناه قد كثر كثرة تضر بالغلة؟! أولسنا ننقي الزرع من الحشائش التي تضره؟ أولسنا في كل ما نعمله في الزراعة نسترشد بالعلم وبالتجارب؛ حتى نأتي بأجود محصول لا بأكثر محصول؟! ولو سرنا على قولك في إرادة الله بالمعنى الذي تتصوره؛ لتركنا كل زرع على طبيعته، وتركنا كل مرض يفتك على طبيعته، وتركنا كل مجرم وكل فقير وكل جاهل يسير على طبيعته من غير أن نتدخل في شأنه! إن تعاليم الله تقضي بأن نستخدم عقولنا وننظر فيما هو الأصلح لحياتنا، ثم نعمل وفق ما تهدينا إليه عقولنا، وهذه هي إرادة الله ... •••