وأنا لا أرى رأي شو ولا رأي جود، فلو عاش الحكماء والفلاسفة والعقلاء عمرا أطول لساعدوا حقيقة في تقدم العالم، ولكن في نفس الطريق الذي يسير فيه العالم وهو طريق المادة والعلم والعقل، ولست أوافق جود على تفسير الروحانية بهذا المعنى الذي فسرها به من قراءة الأفكار والمشاعر الخفية، إنما يجب أن يوجه العالم إلى الروحانية بمعنى آخر، وإن شئت فقل إلى الإنسانية.
لقد عجزت المدنية الحديثة إلى اليوم أن تجعل الإنسان ينظر إلى الإنسان على أنه أخوه؛ بقطع النظر عن فروق الجنسية والدم واللغة والدين وما إلى ذلك، إن الذي نوده في المستقبل أن يتجه العالم إلى الإنسانية مجردة عن اعتبار القومية والوطنية، فيأخذ القوي بيد الضعيف من أي جنس وبأي لون، ويعين من يحتاج إلى العون من أي دين كان ومن أي وطن كان، ويعلم العالم الجاهل ويطب الصحيح المريض، ويسود الشعور العام في العالم بأن الإنسان أخو الإنسان؛ فتنقطع الحروب، ويحل الوئام محل الخصام، ويسود في العالم السلام.
هذا هو ما يجب أن يتجه إليه القادة في رسمهم صورة المستقبل، وإلا فما قيمة التقدم المادي والتقدم العقلي إذا كان الإنسان دائما بين حرب مضت وحرب ستأتي، وفناء في حرب واستعداد لحرب، ليست المدنية تقاس بكثرة المخترعات ولا بعمق الفلسفات، إنما تقاس بما تبعث في النفوس من طمأنينة، وعطف عام، وإنسانية شاملة.
لقد صور هذا المعنى تصويرا باهرا شاعر عربي صوفي قديم، هو الإمام محيي الدين بن عربي؛ إذ يقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه دان
فأصبح قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني
لقد ظفر محيي الدين بمعنى لم تظفر به المدنية، ولعلها لا تظفر به إلا بعد مئات من السنين، وبعد أجيال وأجيال.
| في الهواء الطلق (2)
لأن تكون الأمة المصرية خمسة ملايين راقين يعيشون عيشة سعيدة، خير من أن يكون عددها عشرين مليونا؛ وهي كما هي: فقر وبؤس وجهل ومرض
دق التليفون صباحا فإذا هو صوت الصديق قال: الجو بارد، واليوم صحو، والشمس تؤذن بأنها ستبعث إلينا دفئا لذيذا، فهل لك أن أمر عليك بسيارتي فنستمتع بالشمس في سفح الأهرام؟
قلت: وهو كذلك.
ها نحن في شمس مينا هاوس، وقد أخذت تدفئنا بأشعتها الذهبية، فلما سخنت رءوسنا، أحسسنا بشهوة الكلام تنبعث من نفوسنا.
هو :
لقد لفت نظري وأنا آت إليك حركة الترام وامتلاؤه بالراكبين، كأنه علب السردين، بل لعل علب السردين أكثر منه نظاما، فليس هناك محل لجالس ولا واقف، ولا يستطيع داخل أن يدخل، ولا خارج أن يخرج إلا بعناء، كما لفت نظري امتلاء الشوارع بالمارين وحركة المرور الفظيعة الشنيعة من سيارات وعربات ومشاة، ولقد زرت لندن وباريس وجنيف، فلم أجد مثل هذا الازدحام، ولا صعوبة الانتقال، فقلت في نفسي: ماذا يكون المصير بعد عشر سنين أو عشرين، وكيف إذ ذاك يستطيع الناس أن يمشوا على أرجلهم، أو يركبوا سياراتهم، أو يقضوا حوائجهم؟ لقد آن الأوان؛ لأن نفكر جديا في تقليل عدد السكان.
أنا :
أتقول إذا بضبط النسل؟
هو :
نعم، بكل قوة وإيمان، إن القول بضبط النسل عندي بديهية من البديهيات، وإذا كان ضبط النسل جائزا في إنجلترا وأمريكا، وهما ما هما في ارتفاع مستوى المعيشة، ورقي الحالة الصحية والاجتماعية، فهو في مصر والشرق واجب لا جائز، إن ضبط النسل يزيد في سعادة الفرد والمجموع، ويقلل من بؤس البائس، وشكوى الفقير، ويحرر المرأة من كثير من أغلالها، ويريح رب العائلة من كثير من أعبائه، إن الرجل إذا كان دخله الشهري ستة جنيهات أو ثمانية أو عشرة استطاع - إذا كان له ولد أو ولدان فقط - أن يعيش عيشة أرقى بدخله هذا مما إذا كان له ستة أولاد أو ثمانية أو عشرة، واستطاع أن يعلم الولد أو الولدين خيرا مما يعلم الأولاد الكثيرين، واستطاع أن يعني بصحة الولد أو الولدين وأن يلبسهما لباسا معقولا، ويطعمهما طعاما معقولا، واستطاعت الأم أن تشرف عليهما، وأن تجد بعض الوقت لراحتها.