تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن شعور الإنسان بضعفه وعجزه وعيوبه هو الذي حفزه على أن يكمل نفسه ويرقيها ويسير بها إلى الكمال؛ ونحن إذا تتبعنا تاريخ الإنسان حتى في عصوره الحديثة فقط وجدناه يقفز قفزات واسعة في سبيل الرقي، لقد شهد القرن التاسع عشر تقدم الإنسان العجيب في تغلبه على المادة، فاستخرج الفحم من أعماق الأرض وصنع من الحديد والفولاذ آلات وأدوات لا عداد لها؛ لتحقيق الأغراض الإنسانية، واكتشف قوة البخار والكهرباء واستخدمها في تحسين حياته، واستطاع بهما أن يسهل الانتقال وينير البيوت والشوارع ويكثر الإنتاجات الزراعية ويحسنها، واستتبع ذلك قلة في الجرائم، هذا إلى ما لا يحصى من اختراع أدوات الترف والترفيه.

وكان من نتائج استيلاء الإنسان على قوى الطبيعة وإخضاعها لإرادته ما نتج عن ذلك من تحسن صحته؛ فقد استطاع أن يتغلب على كثير من الأمراض؛ وقد تسابقت الأمم الحية بمراعاتها للأمور الصحية، فاستطاعت أن تقلل من نسبة وفيات الأطفال، وأن تزيد في متوسط أعمار السكان، وبنيت المساكن الصحية للفلاحين والعمال، وقل عددهم في هذه البيوت الجديدة فاستطاعوا أن يعيشوا عيشة أسعد وأرغد، وشرع كثير من القوانين التي تحمي العمال من أصحاب رءوس الأموال، وقللت ساعات العمل؛ حتى يستطيع العامل أن يجد فراغا لتثقيف نفسه، أو للترفيه عنها، أو الاستمتاع بسائر متع الحياة.

وتغلب الطب على كثير من آلام الإنسان؛ فكم خفف البنج من آلام في حجر العمليات وسهل على الأطباء والمرضى إجراء العمليات في يسر وسهولة، بعد أن كان المرضى يلاقون أشق العذاب وأعظم البلاء!

وارتقى الإنسان في عقليته فاستطاع أن يصل في فهم حقائق العالم إلى ما لم يصل إليه من قبل، وتقدم في القرن الأخير في فهم الذرة وتكونها إلى حد لم يكن يحلم به الأقدمون، واكتشف من قوانين الطبيعة والكيمياء ما عجز عنه الأسبقون، وتقدم في فهم حقائق النفس البشرية، وغطت مذاهبه الفلسفية الحديثة على الفلسفة اليونانية والرومانية؛ وعلى الجملة فقد نال حظا وافرا في ناحيته العقلية، كما نال هذا الحظ الوافر في تسلطه على المادة الطبيعية.

وتقدم الإنسان كذلك في إنسانيته، فنراه قد ألغى عذاب السجون، والضرب في المدارس، وتعذيب المجرمين، وكان آباؤنا الأسبقون يتخذون من أصحاب العاهات والآفات موضعا لسخريتهم وضحكهم، فأصبحت هذه الآفات والعاهات موضعا لرحمتنا وعطفنا، وإذا ابتليت أمة بحادث من حوادث الزلزال أو الحريق أو العواصف أسرعت غيرها لنجدتها، إلى غير ذلك من ضروب الإنسانية، وإن كان هذا الشعور الإنساني لم يرق الرقي المادي ولا الرقي العقلي.

ويتساءل بعض الفلاسفة اليوم السؤال الآتي:

أما وقد رقى الإنسان هذا الرقي الباهر في هذا العصر الحديث، فما الذي ينتظر منه في مستقبله؟ وماذا يجب على القادة حتى يوجهوه نحو الرقي؟ وإلى أية جهة يوجهونه؟ أما برنارد شو فقد أجاب عن هذا السؤال بأنه يتمنى أن يتجه التفكير إلى إطالة العمر، وخاصة عمر العقلاء والحكماء والفلاسفة، وتمنى أن يطول عمرهم أضعاف ما يعيشون، وأن يتعاون العلم والأطباء وغيرهم على اكتشاف ما يطيل أعمارهم؛ لأنه عز عليه أن يبذل الفيلسوف والعاقل والحكيم أعمارهم في التجارب؛ حتى إذا بدأت في النضج وأشرفت على نفع الإنسانية، أتت المنية فاخترمتهم قبل أن ينتفع العالم بتجاربهم ونضجهم، فلو عمر هؤلاء طويلا لكانوا خيرا عظيما للإنسانية.

وقال الأستاذ جود: إنه يتمنى أن يتجه العالم نحو ترقيته في أبحاثه الروحية؛ من تنويم مغناطيسي، وقراءة للأفكار والآراء بواسطة الإيحاء، ونحو ذلك من العالم الروحي، فيقول: إنه بعد أن تقدم الإنسان في العالم المادي عليه أن يتجه هذا الاتجاه نحو العالم الروحي، وإنه سيكون لهذا نتائج باهرة فنستطيع إذا تقدمنا في هذا العلم أن نقرأ أفكار الناس وآراءهم من غير تلفيق، وأننا إذا تقدمنا في هذا بطل الكذب والنفاق والرياء ولم يعد لها مكان، وأسست الأخلاق على أسس جديدة. ويقول: إن بعض المعاهد في أمريكا تقدمت تقدما كبيرا في هذا النوع من ناحية قراءة الأفكار، وقراءة المغيبات، والإيحاء الروحي ونحو ذلك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٤٢