إن الإنسان عجيب في جسمه وعقله وروحه: عجيب في جسمه؛ لأنه أعقد أنواع الحيوان تركيبا، يعرف ذلك علماء الحياة، وعلماء التاريخ، الطبيعي وعلماء الطب، ويتجلى ذلك في قوته إذا عمل، وفي عجزه إذا مرض، وفي حيرة كبار الأطباء في تشخيص بعض الأمراض وعلاجها ونحو ذلك، وعجيب في عقله؛ إذ استطاع أن ينتج هذه الفلسفات العميقة التي وصل إليها سقراط وأفلاطون وأرسطو قديما، وكانت وليبنتز حديثا، والفارابي وابن سينا وابن رشد وأمثالهم في القرون الوسطى؛ وعجيب في روحه؛ إذ استطاع أن يحلق بها في السماء فينتج أروع أنواع الحكم والمبادئ السامية، وأجمل القصائد، وأجمل القطع الموسيقية.
ومما يؤسف في الإنسان أن هذه القوى الإنسانية الثلاث؛ وهي: جسمه، وعقله، وروحه، كثيرا ما تتعاكس وتتعاند؛ فقد يصح عقله ويصل إلى درجة كبرى من السمو، ثم لا تصح روحه ولا يصح جسمه، وقد تصح روحه حتى تصل إلى أعلى درجة في السماء، ثم يضعف جسمه فينزل الروح التي تسكنه من السماء إلى الأرض؛ ومن أجل هذا لا تصلح فلسفة الفيلسوف، ولا تصلح أجمل النوازع الروحانية في الرجل الروحاني إذا أصيب جسمه وتلوى من الألم؛ ولذلك نرى أن هذا العقل المزدهر، وهذه الروح السامية، يضعفان في آخر الأمر إذا ضعف الجسم، وينزلان من على عروشهما ولا يفكران إلا في عضو مرض وكيف حاله كل يوم وما الغذاء الصالح وما العلاج الناجع؟ إلى غير ذلك من مشاغل حقيرة تنسى الفلسفة العالية وتنسى المنازع الروحية السامية؛ وإنما يبلغ الإنسان شأوه إذا صحت فيه هذه القوى الثلاث: جسمه، وعقله، وروحه، وتعاونت تعاونا صحيحا.
وما قلناه في الفرد نقوله في الجماعة ونقوله في المدنية؛ فالمدنية التي تؤسس على المادة وحدها، كالفرد يعتني بجسمه فقط، وكذلك المدنية المؤسسة على المادة والعقل وحدهما، إنها تكون مدنية جافة؛ كالمنظر الجميل الجامد الذي لا روح فيه؛ ولعل هذا هو باب النقص في المدنية الحديثة؛ إذ جعلها ترقى ماديا فتنتج من الصناعات ما تنتج، وترقى عقليا فتنتج من العلوم والمعارف ما تنتج، ولكنها شقية معذبة بفقدان الروح، وإلا فما هذا العذاب في احتمال ويلات حرب، وفزع من وقوع حرب؟ إن النوازع إذا اضطربت صدر عنها انفعالات مضطربة.
ويعجبني أحد الفلاسفة المحدثين؛ إذ وقعت في يده جريدة يوما فشاهد في الصفحة الأولى منها جدالا طويلا حول الأطفال الذين يولدون مشوهين ولا أمل في شفائهم، ولا رجاء في مستقبلهم، هل من الخير أن يعالجوا فيعيشوا عيشة سيئة قصيرة مآلها الموت السريع، أو من الخير ألا يعالجوا ليقضى عليهم سريعا؟ وكانت أغلبية الآراء تقضي بمعالجتهم؛ لأن الحياة في نفسها عزيزة ويجب أن نبذل أقصى جهدنا في المحافظة عليها حتى نستنفد قوانا، والأمر بعد ذلك لله، ثم كان في الصفحة الثانية من الجريدة أخبار عن استعداد أوربا وأمريكا للقتال، وأن أكثر من مليون جنيه يصرف كل يوم للاستعداد، وما هذا الاستعداد إلا استعداد للإفناء وإزهاق الأرواح وتشويه للأجسام وعمى للأبصار؛ فالذين يتجادلون للمحافظة على الحياة المشوهة هم الذين يرتبون الترتيبات القوية لإعداد الأجسام الصحيحة، وهكذا كثير من شئون الحياة يلعب فيها الناس على حبلين بل على حبال ويسيرون فيها تبعا لنوازع متضاربة لا يجمعها أساس معقول.
فما أسعد الإنسان لو استطاع أن يوفق بين قواه! وما أسعد العالم لو استطاع أن يؤسس مدنيته حسبما منح من قوى متعددة، فعمل لجسمه ولعقله ولروحه، وعملت الحكومات للمادة والعقل والروح جميعا!
| حول الإنسان (2)
للعالم الكبير بسكال قولة مشهورة؛ وهي:
مهما كان عالم المادة في الحياة قويا وعظيما، ومهما كان عقل الإنسان عاجزا وضعيفا، فإن عقل الإنسان شاعر بعجزه، وعالم المادية شاعر بقوته، ولذلك كان عقل الإنسان العاجز العالم بعجزه، أرقى من الطبيعة القوية الجاهلة بقوتها.