تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أصبح برنامج المسلمين اليوم واضحا أمام المدنية الغربية؛ وهو ما كررنا قوله من فتح صدورنا للعلم الغربي واستيعابه بكل قوة وبكل سرعة وأن نجعله شاملا نافذا على الجميع، لا أن نؤسس مؤسسات جديدة على العلم الجديد بجانب مؤسسات على التقاليد القديمة، كما يجب أن نحتفظ بديننا الصافي، فيكون لنا من ذلك كله علم ودين، كما لنا جسم وروح، والله الموفق.

| حول الإنسان (1)

يحكى أن جماعة من الفلاسفة ضمهم مجلس ودار الحديث بينهم في مسائل كثيرة، انتهى بهم إلى التساؤل عن أعجب الأشياء، فقال أحدهم: إن أعجب الأشياء صفحة السماء بجمال لونها، وسطوع نجومها، وبهائها ولألائها. وقال أحدهم: إن أعجب الأشياء الشمس بما تبعث من حرارة وضياء وبأفاعيلها العجيبة وتصرفاتها الغريبة. وقال أحدهم: إنه الرزق كيف يأتي لكل حي، وكيف يتوفر للجاهل عديم الكفاية، ويقل للعالم الكفء الذي توافرت فيه كل الأسباب للنجاح. وقال أحدهم: بل أعجب شيء هو الإنسان نفسه وتصرفاته وإراداته وعقليته في منتهى الغرابة، وكلما بحثه الباحثون ازدادوا إيمانا بغرابته، وعجبا من ملكاته، وهذا حق؛ فالإنسان إن لم يكن أعجب المخلوقات؛ فهو من أشدها مثارا للعجب، لقد توفرت في المدنية الحديثة العلوم والبحوث وكان من أكبر ميادين هذه العلوم الإنسان؛ هذا يبحث في حيويته، وهذا يبحث في طبيعته، وهذا يبحث في كيمياء جسمه، وهذا يبحث في عقله الباطن واللاوعي ونحو ذلك، ومع هذا كله ظل الإنسان لغزا.

من خير الكتب الأمريكية التي ظهرت في السنين الأخيرة كتاب للأستاذ ألكسيس كارل عنوانه (الإنسان ذلك المجهول)، ومؤلفه هذا عالم من العلماء يبحث بطريقته العلمية ويضع الإنسان في الأنابيب يسلط عليها آلات المعامل والمخابر كما تسلط على المواد الطبيعية، ويشتغل في معهد روكفلر في نيويورك، فيبحث في هذا المعهد في خلايا الإنسان وكيف تتكون وكيف تتغذى، لعله يستطيع هو وزملاؤه من الباحثين أن يعرفوا الإنسان؛ كيف يتكون جسمه، وكيف تختلف الأجسام، وكيف تختلف الشخصية باختلاف هذه الجزيئات؟

ولكن هل مجموع هذه الخلايا ومجموع هذه الغدد التي وضعت في الأنابيب وجرى عليها الاختبار هي الإنسان؟ هل هي تمثل عقله وتمثل روحه؟ لقد اضطر المؤلف أخيرا إلى أن يعترف بأن خلايا المخ ليست هي العقل، وأن العقل مخبوء وراء هذا الخلايا المخية المادية، وأن علماء الطبيعة وعلماء الاقتصاد أهملوا غالبا هذه الناحية في الإنسان مع أهميتها وعظمتها وخفائها، وأنها أكبر قوة فعالة في هذا العالم، والأنابيب والمعامل لا تستطيع أن تصل إلى سر كنهها.

فإذا نحن جاوزنا العقل إلى الروح فالأمر أصعب وأعسر، وحينئذ نسبح في مجال بعيد عن المادة كل البعد تبدو آثاره ولا تعرف حقيقته.

لقد اعترف كارل في كتابه هذا بشيء آخر غير العقل، وهو ما يسمى باللقانة أو الإلهام، وهو الذي يتجلى عند العلماء؛ إذ يخطر لهم خاطر لا يعرف سببه يدلهم على استكشاف ما يستكشفون، وابتكار ما يبتكرون؛ ولو سألوا أنفسهم من أين أتاهم هذا الإلهام؟ لم يستطيعوا الجواب، كما يظهر في عمل الفنانين من شعراء ومصورين، كيف ألهموا ما أتوا به من غير مقدمات عقلية ولا نتائج منطقية، كما يظهر في تسلط الأرواح على الأرواح، ومخاطبة الأرواح للأرواح، وما يسميه الأفرنج

Telepathy

ونحو ذلك مما آمن به العلم الحديث؛ فهذه القوة الروحية في الإنسان لها عملها الكبير في هذا العالم، وإن لم تخضع للنظام العلمي والبحث الذي يسود العلماء في درسهم أو في معاملهم؛ وقد اعترف بذلك المؤلف واعترف بعجزه عن تفسيره، وأبان أن المدنية الغربية مخطئة في تأسيسها بناءها على ما للإنسان من مادة، وعلى ما له من جانب عقلي منطقي، مهملة ما للإنسان من جوانب عقلية أخرى، ومن جوانب روحية لا تحصى.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٤٠