إن العلم الحديث وما أنتجه من مخترعات لم يصبح ملكا للغرب، وإنما هو ملك للعالم أجمع يجب أن يستخدمه كل ركن من أركانه في مصلحته ومصلحة سكانه، بل يجب على العالم الإسلامي أن يأخذ من ذلك ما وصل إليه الغرب ويحسن فيه ويزيد عليه، فلم يحرم الله العالم الإسلامي من عقول كعقول الغرب، وأيد كأيدي الغرب، ولا شيء يمنعه من ذلك إلا تمسكه بالتقاليد الموروثة وتقديسه للعادات المألوفة، ودينه براء من كل ذلك.
نعم؛ أخذ العالم الإسلامي شيئا من ذلك؛ فترى في كل قطر آلات صناعية جديدة، وزراعة على النمط الجديد، وصناعة على نمط الصناعة الأوربية، ولكن ليس هذا عاما ولا شاملا، فآلات جديدة بجانبها آلاف من الآلات القديمة، وصناعة جديدة بجانبها صناعات وافرة قديمة، وهذا من أثر البلبلة والحيرة والارتباك الذي ساد سكان العالم الإسلامي، فإذا هم آمنوا بوجوب استخدام العلم الغربي على آخر طراز وجب على زعمائهم وقادتهم أن يقضوا على القديم في ذلك ويعمموا الأساليب الجديدة من غير تردد.
هذه ناحية، وناحية أخرى يجب أن يلفت إليها العالم الإسلامي، وهي ناحية المرأة المسلمة، فالمرأة الأوربية تعد بحق أساسا كبيرا من أسس نهضتها؛ إذ هي التي تربي الأبناء وتبعث الحياة في الجيل الجديد من الرجال والنساء، المرأة هي التي تنظم الحياة الاجتماعية وهي المشرفة على البيت وهي بلسم الهموم وهي عماد الثقافة، فما لم ترتق، وما لم تحرر، وما لم تتعلم، لم يكن هناك أمل كبير في جيل صالح جديد، فماذا على قادة المسلمين لو وجهوا مجهودا كبيرا للمرأة؛ يعلمونها، ويرقونها، ويحررونها، والإسلام في صميم تعاليمه يساعد على ذلك، ويحث عليه؛ وإنما وصلت المرأة المسلمة إلى ما وصلت إليه من ضعف وانحطاط برغم الإسلام لا بسبب الإسلام. •••
لو أخذ العالم الإسلامي كل العلم الغربي وكل ما وصل إليه الغرب من تجارب واعتبر هذا جسما من الأجسام يتقمص الروح الإسلامي الصافي النقي: من اعتقاد بإله واحد بث في هذا العالم قوانينه، وألف بين سكانه، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأمر معتنقيه أن يكونوا رحماء فيما بينهم، لا عصبية لجنس ولا دم، ولا تفاضل بينهم بالنسب ولا بأي سبب آخر إلا العمل الصالح والنية الصادقة؛ لو مزجت هذه التعاليم الإسلامية الصحيحة بهذا العلم الصحيح لأنتجت من غير شك جيلا من الناس من خير الأجيال خلا من مادية الغرب وجفافه، ومن خرافات الشرق وأوهامه، ولكان جيلا يصح أن يكون جيلا نموذجيا للشرق والغرب معا، ولحقق هذا الجيل ما ذكرنا في صدر المقال من اكتسابه خير ما في الهرمين والتوفيق بين المعسكرين.
إن أهم مظهر للعالم الإسلامي اليوم هو مظهر استمداده من الغرب، ولكن عيب هذا الاستمداد أنه مصحوب بالتردد والبطء؛ فنأخذ بعض العلم وندع بعضا، ويقدم قوم على الأخذ ويحجم آخرون، فتجد الآلة الزراعية على آخر طراز أمريكي، وبجانبها الساقية والشادوف، وتجد المدرسة على آخر طراز، والكتاب على نمط القرون الوسطى، وتجد المرأة المسلمة تلبس الثياب الأوربية كما وصل إليه آخر بدع، والمرأة المسلمة المحجبة التي لا يظهر منها إلا عيناها، وهكذا من مظاهر الاضطراب والارتباك؛ وكثيرا ما يكون استمداد العالم الإسلامي من العالم الغربي متجها إلى المظاهر لا إلى الأصول والجواهر، فنؤثث مدرسة على النمط الأوربي ونضع منهجا على النمط القديم وهكذا، كان الواجب يقضي بأن نكون في نقل العلم الأوربي والتجارب الأوربية حازمين مسرعين كما فعل اليابانيون، فننقل طرق الزراعة الحديثة بحذافيرها بمنتهى القوة؛ حتى نقضي على كل الأساليب القديمة، وهكذا الشأن في الصناعة والتجارة وغيرها .
ربما كان للمسلمين بعض العذر في تحفظهم في استقبال المدنية الغربية؛ لأن هذه المدنية من علم وأفكار وتجارب وصلت إلى العالم الإسلامي - للأسف - مع صوت المدافع والقنابل والفتح والاستعمار، فكان طبيعيا أن ينفروا من كل ذلك جملة من غير تفكير طويل وأناة وتنقية لما يؤخذ وما يترك، أما وقد ذهب صوت المدافع، وجاهد أكثر المسلمين حتى وصلوا إلى الاستقلال، وهدأوا مما عراهم أول الأمر من دهشة، فيجب أن يميزوا بين علم لا بد أن يؤخذ، ومدفع ينبغي أن يقاوم.