فتاريخ الإسلام يدلنا على أن العرب بعد إسلامهم خرجوا من بيئتهم وانتشروا في البيئات الأخرى وتفاعلوا مع هذه البيئات، أثروا فيها وتأثروا بها وهضموا كل الثقافات التي كانت شائعة في البلاد المفتوحة وكونوا منها وحدة؛ فتشرب العرب في مصر الحضارة المصرية وما ذاب فيها من الحضارة اليونانية والرومانية، وتشرب عرب الشام ما كان فيها من حضارة آرامية اتصلت بحضارة اليونان وفلسفتهم، وتشرب عرب العراق حضارة الفرس، وتشرب عرب الهند حضارة الهند، ومزجوا كل هذه الحضارات وما فيها من ثقافات وصبغوها بالصبغة الإسلامية، ونفوا عنها ما لم يقره الدين الإسلامي، وصنعوا من كل ذلك ثقافة تكاد تكون واحدة للعالم الإسلامي كله، وإن اختلفت لغته، واختلفت بيئته، واختلفت تقاليده.
تقديم الدين والثقافة على الوطنية
وسيطرت هذه الثقافة على الشعوب الإسلامية كلها حتى تقاربت في عقليتها وحتى كانوا يقدمون ثقافتهم ودينهم على وطنيتهم؛ فالمصريون مسلمون أولا ومصريون ثانيا، وكذلك السوريون والفرس والهند والمغاربة والأندلسيون، كلهم يعدون الدين واحدا والثقافة واحدة وأصول الحكم واحدة، وأما ما عدا ذلك من قومية ووطنية ولغة وبيئة ففي المرتبة الثانية؛ حتى كان الرحال كالمسعودي وابن جبير وابن بطوطة وأشباههم يتنقلون في المملكة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها كأنهم يتنقلون في وطنهم لا يحسون شيئا من الصعوبة إلا من ناحية اللغة فإذا سهلت اللغة سهل كل شيء؛ يفهم بعضهم بعضا في دينهم وحياتهم الاجتماعية المتأثرة بالدين ونظم الحكم المتأثر بالدين أيضا، وهكذا.
وتقاربت ثقافة المسلمين في أصولها؛ لأن أساسها الدين الإسلامي، والثقافات المختلفة التي صهرت كلها في بوتقة العالم الإسلامي وكون منها مزيج واحد وزع على المسلمين جميعا، ولذلك نرى الفارسي إذا أحسن اللغة العربية ألف بالفارسية والعربية، والهندي إذا أحسن اللغة العربية ألف بالهندية والعربية، فكان التأليف مستساغا مفهوما وكان موقع كتاب كليلة ودمنة أو الشاهنامة أو نحوهما قريبا إلى النفوس سائغا في العقول، ليس شأنها شأن الإلياذة والأوديسة والفردوس المفقود ونحوها إذا ترجمت إلى العربية؛ لأن روحها غير روح المسلمين، وصادرة عن ثقافة غير ثقافتهم.
نشأة الثقافة الإسلامية
وهذه الثقافة التي يصح أن نسميها ثقافة إسلامية نشأت - ككل حي - بسيطة ساذجة ونمت مع الزمان، وغلب عليها أول الأمر النقل والتقليد، ثم الهضم والتمثل، ثم الطابع الخاص الذي يميزها عما عداها، وهذه الثقافة الإسلامية كان لها أثر متشابه في كل الشعوب التي تدين بها وتخضع لها؛ وقد طبعت هذه الثقافة بالمرونة والبساطة وتطورها مع الزمان في أول أمرها، ثم جمودها وتحجرها وضعفها بسبب ضعف النظم السياسية وظلم الحكام وفساد الحكم وانتشار الجهل، ومع ذلك فقد ظلت ذات أثر كبير في عقلية الناس ومشاعرهم، وظل لها طابع خاص متميز وحضارة خاصة تسمى «الحضارة الإسلامية»؛ تمييزا لها عن الحضارة الرومانية الحضارة اليونانية، والحضارة الغربية.
ظل الحال على هذا المنوال حتى اختلط الشرق بالغرب على أثر فتوح الأتراك في أوربا، وحملة نابليون على مصر، وغزوة أوربا للشرق كله، واستعمار أكثره، وانقسام العالم الإسلامي إلى مستعمرات إنجليزية ومستعمرات فرنسية ونحو ذلك، وكان هؤلاء المستعمرون يحملون ثقافتهم كما يحملون مدافعهم وبنادقهم فيغزون الحياة العقلية كما يغزون الحياة المادية، ونشأ عن هذا اختلاط واضطراب وارتباك بين الحضارتين والعقليتين: الحضارة الإسلامية؛ والحضارة الغربية، والعقلية الإسلامية؛ والعقلية الغربية.
مصادر الحياة العقلية
وعلى الجملة فقد أصبح للحياة العقلية للشعوب الإسلامية في عصرنا الحديث مصدران: الحياة الإسلامية القديمة بآدابها وعلومها وفلسفتها وفنها، والحياة الغربية الحديثة بآدابها وعلومها وفلسفتها وفنها، وأخذ المصلحون في كل البلاد الإسلامية يدعون دعوات متشابهة عمادها أن يأخذوا من المدنية الغربية ما يناسب، وأن يأخذوا من المدنية الإسلامية ما يناسب، والإشادة ببعض نواحي المدنية الغربية والإشادة ببعض ما في الحضارة الإسلامية.