تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا :

هل تضع أمام عينك وأنت تتكلم هذه الكلام طوائف وأحزابا خاصة تستلهم منها هذه الآراء؟

هو :

قد يكون ذلك، وقد يكون مبعث هذا ما قرأته في جرائد اليوم ... ولكني قد ارتفعت في تفكيري عن الجزئيات وحلقت في سماء الكليات.

أنا :

هذه هي عادتك دائما، تفلسف كل شيء حتى تجعل من الحبة قبة، ومن القطرة مطرا، ولكن أترى أن هذا الأمر مقصور على الشرقيين؟!

هو :

كلا ... إني أرى أن دور التعصب هذا دور طبيعي، تمر فيه كل جماعة كما يمر كل إنسان في دور الطفولة، فإذا اتسع أفقه، وزاد علمه، وتأصلت حريته، لم يعد التعصب يجد مجالا لنموه، ولا ميدانا يسبح فيه.

أنا :

ما دمت تتفلسف فلأتفلسف ... ويخيل إلي أن فلسفتك كانت فلسفة نفسية أو سيكولوجية، فلأتفلسف أنا فلسفة اجتماعية، فأقول إن هذا التعصب إنما يسير كما ذكرت سير الوباء في بيئة اجتماعية صالحة له كأن يشيع فيها الفقر والبؤس وسوء الحال وكثرة الضغط وقوة الاستبداد، فتكون هذه الأشياء كلها مرعى خصيبا تسود فيها الفكرة المتعصبة ويدخل الناس فيها أفواجا، وقد يكون كثير ممن يدخلونها لا يؤمنون بها ... ولكن لما رأوها تدعو إلى القلق والاضطراب، أحبوا القلق والاضطراب؛ لأنهم يمنون أنفسهم بإصلاح الحال بعد زوال الاضطراب ... فيشتركون مع أصحاب الفكرة في النتيجة وإن لم يشتركوا في الأسباب والعقيدة، وإذا كان تشخيصك للمرض نفسيا، وعلاجك له علاجا نفسيا، فتشخيصي له تشخيص اجتماعي، وعلاجي له علاج اجتماعي، فلنتحر أسباب القلق والاضطراب ونزلها، يترتب على ذلك حتما حصر المرض في بقعة معينة وعدم سيره سير الوباء.

إن كان منهج فلسفتك النفسية يرسم العلاج بنشر العلم الصحيح بين الأفراد، وتأسيس منهج تربيتهم على البحث والتفكير والشك والتجريب وعدم سرعة التصديق، فليكن منهج فلسفتي الاجتماعية نشر العدالة الاجتماعية، وتأمين الناس على مصالحهم وحرياتهم، وتحقيق العدل بينهم ... فإذ ذاك يتعاون الإصلاح النفسي الذي تذكره، والإصلاح الاجتماعي الذي أنشده، على قطع دابر التعصب، وإحلال التسامح اللطيف محل التعصب السخيف. •••

وشعرت بأن هناك عدم انسجام بين هذا الجو وهذا الحديث، فالجو فرح مرح ونحن جادون، والبحر يضحك ونحن عابسون، والنسيم يداعبنا ونحن لا نجاوبه، وانتهزت فرصة رجوعنا إلى الفندق فحولت الحديث إلى غزل في الجو وصفائه، وابتهاج بالمنظر وجماله.

| مظاهر الحياة العقلية للمسلمين اليوم (1)

أول ما يتبادر إلى الذهن السؤال عن معنى الحياة العقلية، وأقرب جواب إلى ذلك أنها هي الثقافة، فالحياة العقلية لأمة هي ثقافتها، وهذه الثقافة تشمل الحياة العلمية والدينية والسياسية والفنية، فإذا أردنا أن نصف الحياة العقلية لأمة أو أمم وجب أن نصف هذه العناصر جميعا.

وعلى حسب اشتراك أمة أو أمم في الثقافة يكون الترابط، فالذي يربط الأمة رباطا محكما هو اشتراكها في دينها وعلمها وفنها وسياستها، وإذا ارتبطت أمم في هذه الأمور كلها فكذلك، فإن تخلف بعضها كان الارتباط بينها أضعف قليلا أو كثيرا حسب العناصر المشتركة أو المختلفة، فارتباط الأمة المصرية بعضها ببعض أتم؛ لأنها تشترك في جميع هذه العناصر، والارتباط بين الأمم العربية قوي متين، ولكنه لا يبلغ ارتباط الأمة الواحدة؛ لاختلافها مثلا في النظم السياسية وبعض التقاليد والأوضاع، والارتباط بين الأمم الإسلامية جميعا لا يبلغ مبلغ هذين، للاختلاف في اللغة ونظم الحكم وهكذا.

الروابط العقلية

ومع هذا فالأمم الإسلامية على العموم يربطها من الناحية العقلية رباط متين؛ لوحدة الدين وهو عامل قوي في حياة المسلمين، وللارتباط الشديد الذي كان بين العلم والدين، ولمرور الأمم الإسلامية جميعا في أدوار من التاريخ واحدة أو متقاربة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٣٥