تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعل ذلك مدحت باشا في تركيا، والسيد أحمد خان في الهند، والسيد جمال الدين الأفغاني في فارس ومصر، وخير الدين التونسي في المغرب، وهكذا؛ حتى كأنهم كلهم شربوا من منهل واحد وكأن مناهجهم صبت في قالب واحد، إذ ذاك أخذت الحياة العقلية للمسلمين تتغير وتأخذ بطرف من هذا وطرف من ذاك؛ ولكن نظرا للتطورات العالمية التي كسرت الحواجز بين الشعوب وقاربت بين أجزاء العالم بعضها وبعض واختصرت المسافات وسهلت الانتقالات، كان من الطبيعي أن تصل أمواج المدنية الغربية إلى الشرق متتابعة قوية، إذ ذاك أخذت الحياة العقلية للمسلمين تتأثر تأثرا كبيرا بالحياة العقلية الغربية؛ فأنماط التربية والتعليم والاعتماد في جميع مرافق الحياة على العلم لا على التقاليد، وطرق البحث العلمي الغربي ونظام الحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية وتقنين القوانين وعيون الأدب الغربي وقصصه وتغنيه بالحرية، ومبادئه في تحرير المرأة وهدم الاستعباد وتحرر الفكر ونحو ذلك، كلها زحفت على الحياة العقلية الشرقية كما زحفت الصناعات الغربية والمدنية الحديثة المادية، وتأثر المسلمون بهذا وذاك ولم يسلم من هذا التأثر إلا الدين واللغة؛ حتى هذان لم يسلما، فالدين الإسلامي كان قد دخله في العصور المتأخرة كثير من الخرافات والأوهام، بدأت تزول بفضل ما انتشر من العلم، واللغة اضطرت إزاء المدنية الحديثة الواسعة إلى أن تتوسع في ألفاظها وتتجدد في أساليبها.

هذا هو الوضع الحاضر للحياة العقلية عند المسلمين: استمداد من الحياة العقلية الغربية الحديثة، واستمداد من الحضارة الإسلامية القديمة، فإن اختلفت الأمم الإسلامية بعضها عن بعض في ذلك فاختلاف في المقدار الذي يستمد من هذا أو ذاك بحسب القرب من الغرب أو البعد، وبحسب سعة العقل أو ضيقه، أما المنهج فواحد في الجميع.

التقارب بين العقليات نتيجة حتمية

هذا وصف للواقع، وإذا قسنا المستقبل بالحاضر توقعنا أن يزيد الاقتباس من الحديث؛ نظرا لما عند الغرب من قوة، والقوة معبودة أبدا منذ كان الإنسان، ولأن الحضارة الإسلامية قد تعفنت في كثير من نواحيها بسبب ركودها وعدم تجددها، ولأن العالم لما وصفنا من تقارب أجزائه وانعدام مسافاته وكثرة اختلاطه وامتزاجه أصبح من النتائج الحتمية له أن تتقارب عقلياته حتى تتحد، وأن تتنازع مقوماته ثم لا يبقى إلا الأصلح، هذا هو الواقع، أما ما ينبغي أن يكون فإن للمدنية الغربية الحديثة مزاياها وللحضارة الإسلامية مزاياها.

من مزايا الحضارة الغربية: الاعتماد في كل مرافق الحياة على العلم: في التربية، في الزراعة، في الصناعة، في السياسة، في الإصلاح ... إلخ ... لا على الخرافات والأوهام والتقاليد، وهذا جميل، ومن مزاياها: الجد في اكتشاف قوانين الطبيعة واستخدامها في الصناعات ونحوها، ومن مزاياها: تفتح العقل ومرونته واستعداده لقبول كل ما يرى خيره، ونبذ كل ما يرى شره.

ومن مزايا الحضارة الإسلامية والتعاليم الإسلامية: روحانيتها وتقويمها الإنسانية تقويما كبيرا، والنظر إلى الإنسان على أنه أخو الإنسان، والاعتقاد بأن الله فوق الجميع والكل مخلوقاته، وكل مخلوق للمخلوق قريب ونسيب؛ فلو استطاع المصلحون من المسلمين أن يضعوا أسسا للحياة العقلية للشعوب الإسلامية قوامها أخذ ما في المدنية الغربية من محاسن مادية، وأخذ ما للحضارة الإسلامية من محاسن روحية، وتكوين عقيلات إسلامية تأخذ من هذا ومن ذاك خير ما عندهما، وتعمل للدنيا كأنها تعيش أبدا، وتعمل للآخرة كأنها تموت غدا، كان هذا خير ما يسدى إلى الشعوب الإسلامية، بل إلى العالم أجمع.

بقي أن نعرض لكل عنصر من عناصر الحياة العقلية، مبينين موقفه الحاضر والاتجاه الذي يسير فيه؛ وهو موضوع المقال التالي إن شاء الله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٣٧