تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حبه القوي لغلبة فكرته أو عقيدته وهزيمة الآراء المعارضة واندحارها، ليس عنده أي شيء من التسامح فيما يخالفه من آراء؛ حتى كأن مخالفه قد قتل قتيلا له، فهو يريد الأخذ بالثأر منه، فهو متحمس هائج يريد أن يقضي على من يخالفه بكل ما لديه من قوة، ويكون هذا في المعتقدات الدينية وفي الأحزاب السياسية وفي النظريات الاجتماعية على السواء؛ فالمتعصب الديني كاره لمن خالفه، متحمس للقضاء عليه أو على فكرته، والمتعصب الحزبي لا يرى خيرا إلا ما أتى من حزبه، وأما ما أتى على يد الأحزاب الأخرى فشر محض يجب أن يقاوم بكل ما استطاع من قوة ... ولو بإفساد النظام وإشاعة القلق والاضطراب، وهكذا الشأن في النظريات السياسية، كالنزاع بين الديموقراطية والاشتراكية والشيوعية والنازية وأمثالها، يتحمس معتنقوها حتى يصل التحمس إلى سفك الدماء.

وثالث الأعراض:

أن هذه الغيرة العمياء والحماسة الخرقاء تجعل صاحبها لا يقدر ما ينزل بالآخرين من آلام ولا ما يحل بهم من كوارث، فلا يرى إلا تحقيق فكرته مهما ألم الناس، تطغى رغبته في تحقيق الفكرة على كل ما لديه من عواطف، فهو قاس جبار يتشفى بعذاب الناس وإيلامهم في سبيل تحقيق فكرته، ويظهر ذلك بأجلى مظهر من الناحية الدينية في محاكم التفتيش، ومن الناحية السياسية والاجتماعية في الثورة الفرنسية، ففي كل ذلك صار التعصب غيرة يلهبها الحقد. •••

وتركنا مقاعدنا، وسرنا على شاطئ البحر نتمم حديثنا ...

أنا :

ألست ترى أن هذا هو الجانب الأسود من التعصب وأن له جانبا آخر جميلا؟ فكثير من ضروب الإصلاح أتت على أيدي متعصبين، اعتنقوا فكرة وتعصبوا لها، ورأوا الخير فيها، وتحمسوا لها، وتحملوا العذاب في تحقيقها، وكثر أشياعهم وأتباعهم حتى عم الإصلاح، فالحكم على التعصب - كما يؤخذ من كلامك - بأنه شر محض، مبالغ فيه، والعقيدة ما لم تصهرها حرارة الإيمان لا قيمة لها، والفكرة ما لم يتحمس لها صاحبها، وما لم تأخذه الحمية لها، وما لم يدع إليها في غيرة واحتمال آلام، لا تكون ذات قيمة ... وهذا ضرب من التعصب الذي تبغضه.

هو :

قد يكون في هذا شيء من الحق، ولم أدع أن التعصب شر محض، فليس في الدنيا شر محض، وكل ما في الحياة - ماديا كان أو معنويا - مزيج من الخير والشر، ونتائجه كذلك ... وإنما نكره الشيء ونحكم عليه بالشر؛ لأن مضاره أكثر من منافعه والعكس، والتعصب شر ما منيت به الإنسانية، والمتعصب لا يرى خيرا إلا ما لقنه من غير تفكير ولا برهان، وهو بذلك ينقلب وحشا ضاريا، ويصبح وليس أمامه إلا تحقيق نفسه، وينقلب أنانيا بغيضا يتحدى الأفكار المخالفة في عنف، ويريد أن يفرض على الناس رأيه بالقوة لا بالإقناع، وأي ضرر بعد هذا؟! إن المتعصب أبعد ما يكون عن معنى الإنسانية، إنما المصلح الحقيقي من اعتنق الفكرة بعد بحث وتمحيص، وتحمس لها في عقل واعتدال، وحاول بث دعوته عن طريق الإقناع والبرهان لا عن طريق القهر والغلبة.

ويدلنا التاريخ على أن التعصب كثيرا ما يسير سيرا وبائيا كالطاعون ... فينتشر المرض في سرعة عجيبة، وخاصة في الجماعات التي ليس لها رأي عام متنور، ويزيد في انتشار هذا الوباء أن يكون للجمعية الدينية أو الحزب السياسي شعائر ومظاهر تتفق وعقلية العامة في الشعوب الساذجة، وعندما تنتشر هذه الفكرة الناشئة عن التعصب، يفقد جمهور المعتنقين لها الشعور بالمسئولية ... فيأتون من الأعمال ما لا يأتيه الفرد العادي منفردا في حالة وعيه، وقد ينضم إلى الفكرة أفراد مهذبون على درجة ما من الرقي العقلي بسبب قوة التيار، وما في الفكرة أحيانا من بريق ولمعان، وإذ ذاك يكون الخطر ويصبح الناس في حالة هستيرية كالتي كانت في محاكم التفتيش وفي الحروب الصليبية، وأكرر القول بأن هذه هي الأعراض في الجمعيات الدينية والأحزاب السياسية على السواء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٣٤