تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما بدأت الشعوب الشرقية تحمل عبئها وتشعر بكيانها، كان لا بد لها أن تولي عنايتها للتربية الحربية في جنودها وشعوبها، في أجسامها وعقولها وشعورها، وهو مطلب عسير شاق، ولكن لا بد مما ليس منه بد، فالحمل الوديع لا يصلح للعيش وسط الذئاب، والمستصرخ بالعدالة لا يسمع له إلا إذا حمته الغواصات والدبابات والطيارات، ونحن في عصر خير لك فيه أن يقال إنك ظالم من أن يقال إنك مظلوم؛ «والمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف».

| في الهواء الطلق (1)

التعصب

كانت ثلاثة أيام لطيفة قضيناها على شاطئ البحر ... الجو معتدل يميل إلى البرودة، والسماء صافية، والشمس ساطعة، والبحر هادئ، وكل شيء حولنا جميل، ونزلت أنا وصاحبي في فندق على البحر في رمل الإسكندرية، ننعم فيه بالهدوء وجمال المنظر ... والأناقة تبدو في كل ما حولنا.

ها نحن في الصباح في حديقة الفندق بعد أن تناولنا فطورنا نقرأ الجرائد، وبعد أن فرغ صاحبي من قراءتها، وضعها ... وإذا هو يقول: «شر ما نبلى به اليوم التعصب»، ولا أدري ماذا بعثه على هذا القول مما قرأ ... فقلت: إن التعصب كلمة مصطنعة أطلقها الإفرنج علينا ظلما وعدوانا؛ ليصرفونا عن التمسك بديننا والاحتفاظ بقوميتنا ... فإذا قاومنا أعمال المبشرين قالوا تعصب، وما هو إلا حماية ديننا من الاعتداء عليه، وإذا وقفنا في وجه الاستعمار، وثرنا من أجل استغلالنا واستعبادنا؛ قالوا تعصب ... وما هو إلا المحافظة على كياننا والرغبة في التمتع بحرياتنا، وهم يتمسكون في بلادهم بأشد مما نتمسك به في المحافظة على دينهم وقوميتهم، ولا يخطر ببالهم أن يسموا هذا تعصبا، وإذا صح إطلاق القول، فهم أولى به منا ... إذ يدعوهم تعصبهم لدينهم إلى نشره بيننا وحماية التبشير بالقوة، ويدعوهم تعصبهم لقوميتهم إلى فرض الاستعمار علينا بالسلاح ... فهل نحن المتعصبون؟!

هو :

قد يكون هذا القول صحيحا، ولكن ليس هذا الذي أريد، إنما أريد التعصب الداخلي فيما بيننا، ويظهر ذلك في الجمعيات الدينية، والأحزاب السياسية، والهيئات الاجتماعية، فكل جمعية دينية ترى أنها هي التي على الحق، ومن عداها فعلى الباطل ... وتخاصم من عداها، وقد ترميه بالكفر والإلحاد، وقد تنفذ آراءها بقوة السلاح، وكل حزب سياسي يتعصب لحزبه، ويرى كل ما يصدر عنه حقا، ولا يرى أي حق فيما يصدر عن الأحزاب الأخرى؛ ويتمثل ذلك في قول قائلهم: «الحماية على يدنا خير من الاستقلال على يد غيرنا»، وكل هيئة اجتماعية ترى أنها الوحيدة في فعل الخير وفي الإصلاح ... أما ما عداها من الهيئات فأداة فساد، هذا هو التعصب الذي أعنيه وأكرهه وأمقته، وأدعي أنه كارثة من أكبر كوارثنا.

أنا :

ولكن علمني أستاذي سقراط بأننا قبل أن ندخل في الحوار نحدد الموضوع، فما الذي تعني بالتعصب؟

هو :

إنما أعني به الغيرة العمياء، وأعني بالعمياء أنها غيرة لا تصدر عن تفكير هادئ، ولا منطق سليم ... وإنما تصدر عن تقليد من غير نظر، أو عقيدة من غير تفكير، أو تلقين من غير بحث، وهذا مرض نفسي له أعراض ككل الأمراض، وأهم هذه الأعراض ثلاثة تظهر مجتمعة لا متفرقة:

أولها:

ضيق النظر، فليس يرى المتعصب إلا ما اعتقده أو لقنه أو ألقي في روعه ... أما ما عداه فهو يكرهه من غير تفكير، ويمقته من غير أن يصغي إلى حججه، قد وضع أمام عينيه ما اعتقد، وأبى أن يرى أي شيء عداه، فمهما قال مخالفه فهو باطل قبل أن يدلي بحججه، ومهما قال مؤيده فهو حق ولو لم يأت ببرهان، قد عكس الوضع الطبيعي، فوضع العربة أمام الحصان، فهو يرى الرأي أولا، ثم يتلمس البراهين لتأييده ثانيا؛ وهو يحب كل شيء يقوي رأيه، ويكره من صميم قلبه كل شيء يعاكسه، وقد يغلو في ذلك حتى يصبح أشبه ما يكون بالمجنون.

وثاني الأعراض:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٣٣