ومن ناحية أخرى، كانت الأمم في حروبها القديمة تعتمد على الجيش كأنه وحدة قائمة بذاتها، عليه أن يحرز النصر بمجهوده وحده، ثم تطورت المسألة منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر من فكرة «جيش محارب» إلى فكرة «أمة محاربة» وأصبح الجيش من الأمة بمنزلة عقارب الساعة من الساعة، فما لم تنتظم آلات الساعة الداخلية لا يمكن أن تدل العقارب على الوقت الصحيح، فالجيش إذا انتصر فبفضل الأمة أولا وأعماله هو ثانيا، وإذا انهزم فبإهمال الأمة أولا والجيش ثانيا.
وللأمة في الحروب وظائف مادية ووظائف نفسية وخلقية، فلا بد أن تكون لها مصانع وحقول ووسائل مواصلات ونحو ذلك، تمون الجيش؛ حتى يؤدي عمله على خير وجه، وتمون الشعب حتى يطمئن إلى موقفه، وبذلك تأمن الحكومة داخلها وخارجها، كذلك يجب تقوية الروح المعنوية في الشعب؛ وبغيرها لا يمكن أن ينجح جيش في الحروب الحديثة؛ وعماد هذه الروح المعنوية القدرة على التضحية في سبيل نصرة الجيش، وتعاون الهيئات والأحزاب والطبقات من موظفين وصناع وتجار وزراع، فتؤدي كل طبقة واجبها حسب خطة عامة مرسومة ... وذلك كله لا يتم إلا ببرامج للتربية الشعبية يشمل الأسرة وإصلاحها، وتغذية آبائها وأبنائها بالروح الحربية والنزعة الوطنية، ثم نشر الثقافة الشعبية بين أفراد الشعب، وبخاصة معرفة تاريخه في نزاعه الخارجي، وما يريده خصومه منه وما يريد هو أن يكون، وتوضيح الغرض المنشود توضيحا يملأ العقيدة والقلب والنفس حتى يختلط بدمه ... ثم تعويده الثقة بنفسه، والثقة بمواطنه، والثقة بجيشه، والثقة بحكومته.
أما إن ظلت الأمة مبعثرة، عيابة ظنانة، فاقدة الأمل في مستقبلها، معتمدة على المطالبة بقوانين العدل، وما وضعته أوربا وأمريكا في ساعات الحرج من مبادئ، تقولها ولا تؤمن بها، قانعة بموقفها الذليل، جاهلة بشئونها وشئون العالم حولها وما يدبر لها في الخفاء، باردة العواطف نحو مستقبلها وتحقيق عزتها، يعادي بعضها بعضا ولا تعادي أعداءها ... إن ظلت الأمة على هذه الحال، فلا يمكن أن تظفر مهما يكن عدد جيشها وسلاحه وقوته. •••
وهذه التربية الحربية إذا فشت في أمة غيرت أخلاقها ونفوسها ومشاعرها ونقلتها من حال إلى حال؛ فهي تعلمها النظام والطاعة بما اكتسبت أيام التمرن على حياة الجندية، وهي تعلمها التضحية بما ترى من جنود وقادة يبذلون دماءهم وأرواحهم للمحافظة على كيانها وإعلاء شأنها، وهي تعلمها احتمال الشدائد والصبر على المكاره بما تلاقي من عذاب وتواجه من أزمات أيام الحرب والاستعداد لها، وهي تعلمها الاستهانة بالموت وعدم الحرص على الحياة؛ لكثرة ما ترى من ضحايا وما تسمع من أخبار الكوارث، وهي تغسل الأدران التي تعلق بالأمة بسبب ركودها وحياتها السلمية الناعمة، فتقضي على الخلافات الحربية التافهة والنظر إلى صغائر الأمور دون عظائمها، وتحتقر الزعماء الذين ينظرون إلى أنفسهم لا إلى أمتهم، وهي تزيد في روابط المحبة بين طبقات الأمة المختلفة؛ إذ يرون أنهم كلهم اكتووا بنيران الأحداث، وتعاونوا جميعا على الشدائد، وضحوا جميعا لبلوغ الغاية التي ينشدونها، وهكذا مما يطول شرحه ... وعلى الجملة فالأمة الحربية أقوى نفسا وأقوم خلقا وأصح جسما وأصلح للبقاء.
لقد مر زمن طويل على الشرق لم يهيأ فيه لحرب ولم يرب تربية حربية، وذلك منذ أن استعمره الغرب؛ لأن المستعمر - بطبيعة الحال - يكره ممن يستعمره أن يظهر بأي مظهر من مظاهر القوة؛ خشية أن ينقلب عليه يوما ما، فإن سمح يوما بتكوين جيش من الأمة المستعمرة فجيش صوري ... ملابس جميلة، وحركات رشيقة، ونظام دقيق يبهر الناظر يوم العرض، ولا يبهره يوم الحرب؛ فأما روحه الحربية، وأما تعليمه أحدث الأساليب، وكيف يستخدم أحدث الآلات، فحرمته تحريما باتا، تريد الدولة المستعمرة من الجندي الشرقي أن يصلح للسير في حفلة «محمل» أو احتفال في مولد، ولا تريده صالحا لميدان قتال، هذا شأنها مع الجندي وكذلك شأنها مع الشعب، لا تريده موحدا منسجما بعضه مع بعض، ولا تريده يشعر بعزة ولا يطمح لاستقلال، وإنما تريده منحلا متفرقا ذليلا.