كم من الفلاسفة والمصلحين والفنانين طالت حياتهم وشاخت أجسادهم، وبقيت فتية ملكاتهم.
وأحيى مثل على ذلك برنارد شو وهو في الثالثة والتسعين من عمره ... شيخ هرم في جسمه، محروم من أكثر لذائذه المادية، ولكنه شاب فتى في ملكاته الفنية ولذاته المعنوية، وإنتاجه الأدبي، لقد شاهدنا «حافظا» و«شوقيا» و«خليل مطران» تهدمت بنيتهم الجسمية، وتحطمت قواهم البدنية، وبقيت لهم وللناس حياتهم الأدبية.
قد يحسن الأديب الشاب ما لا يحسن الأديب الشيخ، ولكن من نعم الله أن تنوع الأدب وعناصره بما يناسب الشباب والشيوخ.
إن الغزل الحار الرقيق لا ينتج - في صدق - إلا عن عواطف مشبوبة لا يحسها إلا الشباب، فهم الذين يدركون تمام الإدراك لذة الوصل وألم الهجر وعذاب الحب وضناه، فيصوغون كل ذلك في أدب صاف رائق صادق، فإن تعرض لذلك الشيخ كان أدبه أدبا تقليديا أو على حساب الذكريات، ولكن ليس هذا كل الأدب؛ فهناك أدب القصة الفسيح المتعدد النواحي المستمد من التجارب ... وهذا قد يحسنه الشيخ أكثر مما يحسنه الشاب.
وهناك أدب المقال الرزين الذي يسود فيه عنصر العقل عنصر العاطفة، وهذا ميدان قد يجلي فيه الشيخ أكثر مما يجلي فيه الشباب وهكذا، ولكل عنصر في الأدب مزاياه، ولكل نوع من الأدب فضله ... والأدب مائدة شهية لذيذة لا تجمل إلا بتعدد الألوان، أو جوقة موسيقية تبعث الشجا بما تنتج من مختلف النغمات والألحان.
| السيف والمدفع
هما اللغة التي يفهمها الغرب
ما أحوج الشرق الآن إلى أن يفكر تفكيرا طويلا عميقا في تربيته الحربية، ووضع خططها ومناهجها ووسائل تنفيذها؛ فقد تبين له بوضوح أنه - بدونها - حمل بين ذئاب، وغنيمة أمام لصوص، ولا تزال طبيعة الناس كما وصفها الشاعر العربي القديم:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي صولة المستأسد العادي
كما ظل صادقا قول الشاعر:
متى تجمع القلب الذكي وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
وكما يصدق هذا على الأفراد يصدق الأمم، فالأمة إذا لم تكن ذكية القلب - أو كما نعبر اليوم - عارفة بأساليب الأمم السياسية والاجتماعية، وبالتيارات والاتجاهات العالمية ... وما لم تكن تحمل سيفا أو - على حد تعبيرنا اليوم - ما لم تكن مسلحة التسليح التام ... وما لم يكن لها أنف حمي - أو كما نعبر اليوم - ما لم تكن عزيزة مرهوبة الجانب ... ما لم تكن كذلك فإنها تكون طعمة الطاعم، ونهبة الظالم، وفريسة المعتدي، ولا ينفعها - قدر أنملة - ما تنادي به من طلب مراعاة العدل، والاستغاثة بالإنسانية، والضمير العالمي، والاستصراخ بالمبادئ، فالعدالة والإنسانية والمبادئ، إنما تطبق - إذا طبقت - على الأقوياء لا على الضعفاء، وعلى من استند في دعواه إلى السلاح، لا إلى الصياح. •••
والتربية الحربية التي يجب أن يترباها الشرق، يجب أن تكون على أحداث منهج وآخر طراز، فلا نحارب القنبلة بالسيف، ولا الغواصة بالسفينة الشراعية، ولا الدبابات المصفحة بالطوابير الراجلة، فهذا لا يسمى حربا، ولكن إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وكذلك الشأن في النظم الحربية.
لقد تطورت هذه النظم في كل شيء تطورا كبيرا يفوق ما تطوره أي نظام اجتماعي آخر؛ حتى إن كل حرب في العصور الحديثة كانت تقلب الأوضاع الحربية رأسا على عقب، وتحل الجديد فيها محل القديم، والأمم تتسابق في التجديد؛ علما منها بأن النصر مكفول لمن وفق إلى التجديد النافع.
لقد كانت الجندية تعتمد كل الاعتماد على سلامة الحواس وقوة الجسم وانفتال العضلات وما إلى ذلك، فأصبحت تعتمد أيضا - بتغير آلات الحروب وأساليبها - على الحالة العقلية والنفسية للجنود، وعلى هذا الأساس أنشئت مكاتب الامتحان لمن يهيأ للجندية، فيمر المرشح لها بمكتب الامتحان الجسمي - أولا - فيمتحن قلبه وصدره وقوة عضلاته وسمعه وبصره وسائر أعضائه، ثم يحلل بوله إلخ ... فمن لم ينجح في هذا الامتحان استبعد، ومن نجح فلا بد أن يمر بامتحان آخر عقلي، فيختبر في مقدار استعداده للتعلم، ومدى حله للمشكلات والصعوبات التي تعرض له، ثم يمتحن امتحانا نفسيا في مزاجه وعواطفه وقوة احتماله للصعاب ... فمن نجح في هذه الاختبارات كلها قسم إلى أقسام مختلفة حسب هذه الكفايات، وعهد إلى كل مجموعة من الأعمال الحربية ما يتناسب ومدى كفايته.