تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا

وقد يكون شباب غير فتيان؟

ومن أظهر صفات الشيخوخة ضعف الحيوية، وهذا الضعف يعرض لكثير من الألم والضجر والقلق، واستعظام المشاكل ولو كانت صغيرة، واستكبار الأمور ولو كانت تافهة، قد لا يجد الشاب مالا ينفقه، ولا ثوبا يتجمل به، ولا مسكنا يريحه ... ثم قد يجد من مشاكل الحياة ما يتعب أو يضني، ولكن حيويته تهزأ بذلك كله، وتسعد في الشقاء، وتنعم في الجحيم، وتضحك الضحكة العالية من أعماق القلب، ولو لم يجد صاحبها ما يسد رمقه، ويحجز له محلا في «مغنى» ولو لم يكن يملك إلا ثمن التذكرة، أما الشيخ فليس عنده هذا التعويض من الحيوية، ومن أجل هذا يؤلمه الحرمان ويقدر المال أكثر مما يقدره الشاب، ويزيد حرصه عليه، لشعوره بحاجته الشديدة إلى ما يوفر عليه الراحة، وظنه أن المال يحقق له هذه المطالب حاضرا أو مستقبلا.

وحيوية الشباب تجعله مرنا، يواجه الأحداث المختلفة، ويلون نفسه الألوان المناسبة لها، يستطيع أن يتقلب مع الغنى والفقر، والوصل والهجر، والأمل واليأس، والصحة والمرض، من غير أن يذل لها أو يستكين لسلطانها، فهو رافع الرأس ما دامت حيويته، متفتح النفس ما احتفظ بشبابه ... أما الشيخ فقد تحجرت عاداته وتقاليده، وأصبح يعيش على تجارب الماضي من غير أن تؤثر فيه تجارب جديدة، وتحجرت آراؤه وأفكاره ومذاهبه الدينية والسياسية والاجتماعية، فهو لا يقبل تشكلا جديدا ... كالطينة جف ماؤها فتصلبت مادتها، فإن حاولت تجديد شكلها وتغيير صورتها كسرت في يدك، ولم تعد تصلح لقديم أو جديد.

وأخيرا، أن حيوية الشباب تقاوم الخوف وتصده، ومن أجل هذا كان كثير المغامرة والمخاطرة، يغامر بنفسه في الألعاب الرياضية والرحلات الشاقة الخطيرة، ويقدم على الأعمال التي قد تودي بحياته، ويغامر بماله فيدخل في الصفقات التجارية التي قد ترفعه أعلى عليين أو تهبط به أسفل سافلين؛ على حين أن الشيخ - لضعف حيويته - ينهزم أمام الخوف، لا يغامر ولا يخاطر، كثير الحذر، يخاف الفقر؛ لأنه ليس له من الحيوية ما يستطيع به أن يعوضه، وهو يحسب ألف حساب للمستقبل، ويخاف الموت لإحساسه قرب أجله، ولشعوره بغموض مآله، ويخاف كل مشكلة؛ لأنه لا يأنس من نفسه القوة على حلها، وعلى الجملة، فالخوف يهاجمه من كل جانب، وكثيرا ما يفترسه. •••

ومن حسن الحظ أن الشيخوخة لا تنال قوى الإنسان وملكاته وحواسه في زمن واحد ولا دفعة واحدة ولا بنسب واحدة، ولا تحرم الإنسان لذائذه في الحياة جملة، فبعض الحواس والقوى أسرع إلى الشيخوخة من بعض، وبعض اللذائذ أسرع إلى الاختفاء والزوال من بعض، لقد صدق «معاوية بن أبي سفيان»؛ إذ وصف نفسه - بعد أن استمتع بكثير من لذائذ الحياة - بأنه لم يبق له في شيخوخته منها إلا الاستمتاع بالحديث الطيب.

ومن المشاهد أن اللذائذ العقلية والروحية والفنية أبقى زمنا، وصاحبها أطول استمتاعا، وقواها وملكاتها أبطأ شيخوخة، كل لذة مادية - إن صح هذا التعبير - لها حد ضئيل، إذا تجاوزته تقززت منه النفس وانقلب ألما ... كلذة الأكل والشرب وما إلى ذلك، وقد يتطلب الإنسان أقل منها شأنا؛ فرارا من تكرارها، كما تطلب اليهود العدس والبصل؛ فرارا من المن والسلوى، وكما يتطلب بعض المسرفين على أنفسهم في لذائذ المدنية الحديثة الفرار منها إلى المعيشة البسيطة في الصحراء أو الأديرة أو الأماكن المهجورة ... وهذه اللذائذ هي أقرب ما تعدو عليه الشيخوخة.

وليست كذلك اللذائذ العقلية والروحية والفنية؛ فالفيلسوف، والرجل الروحي، والفنان؛ من أديب، أو موسيقي، أو مصور، أو نحات يستطيع أن يستوعب من هذه اللذائذ المعنوية أكثر مما يستوعبه المتلذذ المادي، ثم إن ملكاتهم كثيرا ما تستعصي على الشيخوخة فلا تنالها إلا بعد جهد. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٣٠