ولكن ما هكذا توزن الأمور وتقدر ويحكم عليها، إن مثل من يقول هذا كمثل من يقترح إلغاء السكك الحديدية؛ لأن القطارات تدوس بعض الناس، ويغلق الجرائد والمجلات؛ لأن منها ما يتهجم على الأعراض ويقذف الأبرياء، أو يقترح أن يسلب الناس حريتهم؛ لأن بعضهم منح الحرية فأساء استعمالها، وهكذا. إنما يقوم الشيء بخيره وشره معا، ومنافعه ومضاره جميعا، وأي شيء في الدنيا خلا من عيب؟ •••
لا يصح أن ننسى أن السينما مدرسة ثقافية بما تنشر من أفلام اقتصادية وزراعية وصحية ونحو ذلك، حتى أفلام التسلية والترفيه لا تخلو من ثقافة فنية وأدبية، أو على الأقل معرفة بما يجري في العالم من شئون اجتماعية، وربما فعل فيلم اقتصادي أو زراعي أو صحي ما لم تفعله المدارس، فإن أساءت الأفلام أحيانا، فكما تسيء المدارس ببعض تعاليمها أحيانا.
والمقاييس الأخلاقية التي قام بها بعض علماء النفس - والتي أشرنا إليها من قبل - ليست دقيقة ولا متناولة جميع النواحي، قد يكون حقا أن الطلبة الذين يذهبون إلى السينما ثلاث مرات في الأسبوع أسوأ خلقا، وأقل في الحياة جدا، ولكن هل هذا بتأثير ذهابهم إلى السينما ثلاث مرات، أو أنهم يذهبون ثلاث مرات إلى السينما لأنهم أسوأ خلقا وأميل إلى اللهو؟ فالحق أن السينما تعكس ما عند الإنسان من غرائز وميول وشذوذ واتجاهات، أكثر مما تكون خالقة لها، ومصدرا لتكوينها، بدليل أن الفيلم الواحد قد يؤثر في متفرج أثرا سيئا جدا ويؤثر في زميله الذي يجلس بجانبه أثرا صالحا جدا.
ومن يك ذا فم مر مريض
يجد مرا به الماء الزلالا
والمغني يغني وكل يبكي على ليلاه.
ولسنا ننكر مع هذا ما للسينما من أثر صالح أو فاسد، فكم رسمت للشبان مثلهم الأعلى في الطموح إلى حياة البذخ والترف والنعيم، ورسمت لآخرين حياة الجد والنجاح في العمل، وللمستعدين للإجرام مغامرات المجرمين! وكم رسمت للفتاة صورة جميلة لحياة زوجية سعيدة، وخففت عن نفسها ألم العزلة والفراغ، أو صورت لها أن تكون يوما من الأيام بطلة لقصة غرام! وهكذا، ولكن مثل السينما في ذلك مثل الجرائد والمجلات، تقول الحق والباطل وتوجه التوجيه الصالح والفاسد، ومثل الإذاعة تقص القصة النافعة والضارة، وتذيع الأغاني الحلوة والمرة. •••
إن الإذاعة والسينما والصحافة في كل أمة انعكاس لثقافتها وعقليتها وأخلاقها وذوقها الفني، وهي كلها نتيجة لأحداث الأمة، ونتيجة للمخترعات والمكتشفات، ونتيجة لما يحدث للأمة من تطورات اجتماعية، فهي أقرب أن تعد نتيجة لعوامل، من أن تعد عاملا من العوامل، أو هي كما يقول الفلاسفة قابلة أكثر منها فاعلة، ولكنها لا تخلو من أثر فعال وتوجيه قوي.
من أجل هذا - أعني ما لها من أثر فعال - يجب على الحكومة مراقبتها؛ فقد تصلح أفلام لسن دون سن، وقد تصلح في ظروف دون أخرى، وقد تدعو إلى التهتك، وقد تدعو إلى هدم ما هو عزيز على الأمة من دين وقومية إلخ.
ثم إن كانت الحكومة يقظة راقبتها من ناحية أخرى، وهي ناحية تعادل موضوعات الأفلام، فلا تكون كلها غراما بحتا أو غراما وإجراما، بل لا بد أن تغذى بمقدار معقول من الثقافة؛ وبعض البلاد الراقية اشترطت على كل دار من دور السينما أن تعرض في كل مرة فيلما ثقافيا يستغرق عشر دقائق على الأقل.
إننا نراقبها كما نراقب الفاكهة تأتي من الخارج؛ فقد تكون متعفنة أو ملوثة، ونراقبها كما نراقب النقود في الداخل فقد تكون مزيفة.
| هل يشيخ الأديب؟
نعم؛ كل شيء - متى عاش - يشيخ ... حتى الجبال في صلابتها، والأشجار في ضخامتها، والفيلة في جسامتها، والأسود في قوتها.
ولكن يختلف الأفراد في لبس ثياب الشيخوخة؛ فمن الشباب من يسرع به ضعفه فيرتديها، ومن الشيوخ من يحتفظ بنضارته وفتوته فيصارع الشيخوخة زمانا يطول أو يقصر، ثم يضطر إلى لبسها رغم أنفه، وفي ذلك يقول الشاعر: