تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كانت الدنيا تكذب، وكل طائفة تكذب، وكل إنسان يكذب، والعالم كله يكذب، فأين الصدق؟! إن هذا العالم عالم كذاب، بني ما فيه على الكذب؛ حتى لو استطاع إنسان أن يصدق في كل شئونه مع الناس ومع نفسه لعاش غريبا ومات غريبا، ولو تصورنا عالما صادقا كل الصدق لكان عالما مخالفا لعالمنا كل المخالفة، لا يمت إلى عالمنا هذا بسبب، فليست المسألة مسألة كذبة أبريل، بل العالم كله أبريل.

| كن سيدا ولا تكن عبدا

أما العربي الأول فقال:

العبد يقرع بالعصا

والحر تكفيه الإشارة

يريد أن العبد جامد الحس، غليظ الطبع، لا يمعل ما يعمل أو يترك ما يترك إلا خوفا من العصا، أما الحر أو السيد فرقيق الحس، لطيف الطبع، يكفيه وحي الضمير، أو اللمحة الخاطفة، أو الإشارة العابرة.

ولو ترجمنا هذا إلى التعبير الحديث لقلنا: إن العبد يعبد القوة ولا يعبد إلا القوة، وإن السيد يخضع للواجب ولا يخضع إلا للواجب.

قد يكون كل يقدس القوة ويخضع لها، ولكن العبد لا يفهم إلا القوة المادية المرموز لها بالعصا، والسيد يخضع لقوة المعاني وقوة الضمير المرموز إليها بالإشارة. •••

يروون أن أبا محجن الثقفي كان يهدد بالجلد إذا شرب الخمر فشربها، فلما عفي عنه تركها؛ لأنه أبى أن يطيع العصا كما يطيع العبد، فلما أمن العصا أنصت لصوت الضمير؛ لأنه سيد.

احتفظ بهذا المعنى، وتعال معي نجل في الأمم؛ لنعلم أيها يتخلق بأخلاق السادة، وأيها بأخلاق العبيد ... فإن رأيت الموظف تكدس أمامه الأوراق تشتمل على مصالح الناس، فإن علم أن ورقة منها تتصل بغني من الأغنياء، أو باشا من الباشوات، أو رئيس من الرؤساء، أو زميل له يبادله الرجاء نفذها في سرعة البرق، وإن كانت لفقير من الفقراء، أو ضعيف من الضعفاء، أو لمن لا حسب له ولا نسب، أهملها وتركها تتراكم عليها الأتربة ... وتنسى في الأدراج حتى يمل صاحبها فييأس، ويفوض أمره إلى المنتقم الجبار ... فهذه أخلاق عبيد لا أخلاق سادة.

وإن رأيت النبيل يسمو فوق القانون فلا تعد مخالفته مخالفة ولا إجرامه إجراما، وإذا جرؤ أحد على سؤاله عما ارتكب، عد قليل الأدب فاقد الذوق، وقد يهان أو يعاقب؛ لأنه تجاوز حده؛ فتجرأ أن سأل النبيل كيف خالف القانون؟!

أو رأيت الغني أو الوجيه يسكن بيتا في شارع؛ فسرعان ما يرصف له الشارع، ويضاء بالكهرباء، ويمد بيته بالتليفون، وتقوم له الدنيا وتقعد، وتسكن أسر وأسر من الفقراء في حي من الأحياء فلا يعنى بحاراتهم، ولا تكنس، ولا ترش، ولا تضاء، وتفتك بهم الأمراض فلا يلتفت أحد إليهم.

وإذا رأيت الغني يتبرع بالألف أو الألوف من ماله للمدير أو الأمير، ولا يتبرع بالدرهم الواحد للفقير إذا لم يتدخل بينهما عظيم، فهو لا يؤمن بخير مستشفى أو ملجأ أو مدرسة أو جمعية خيرية أو مسجد لله، ولكنه يؤمن فقط بسلطة المدير أو الوزير أو الوجيه.

أو رأيت الموظف الصغير يذل ذلا لا حد له أمام الموظف الكبير، ثم هو يطغى أشد طغيان على ذوي المصالح من الجماهير، كالشرطي أذل ما يكون أمام ضابطه، وأقسى ما يكون على الباعة في دائرته، أو كالموظف تدخل عليه تسأله في شأن من شئونك الموكولة إليه، فإن لم يعرفك تجهم لك ونأى بجانبه عنك، ورد - إن رد - في غلظة وجفاء، فإن عرف أنك ذو جاه بلقب أو وظيفة أو ثروة تحول من النقيض، فبش في وجهك، وتظرف في حديثه، وقدم لك سيجارة وقهوة، واعتذر لك؛ لأنه لم يكن يعرفك، كأنه ليس واجبا عليه أن يؤدي عمله إلا لمن يعرفه.

أو رأيت البيت تحت سيطرة مستبد، وسائر من في البيت لا إرادة لهم؛ فإما أن يقوى الرجل فيطغى؛ ولا أمر إلا أمره، ولا نهي إلا نهيه، وإما أن تقوى المرأة فمعاذ الله من سلطانها.

أو رأيت أهلها تخيفهم وتهينهم فيخضعون، وتكرمهم فيتمردون، والناس فيها أحد رجلين: رجل لم يتمكن فيتمسكن؛ فهو ذليل مراء منافق متملق، ورجل تمكن فتجبر؛ فلا قول إلا قوله ولا رأي إلا رأيه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٢٤