وهؤلاء آخرون يخدعون بالجاه، فيتكالبون عليه، ويتنازعون من أجله، ويضيعون مصالح الناس لكسبه، ويبذلون في سبيله الخلق والعزة والنبالة، ثم يستخدمونه في ذل الناس وإهانتهم واحتقارهم، وبعد ذلك كله ينجلي الأمر عن كذبة من كذب الدنيا، وخدعة من خدعها، فإذا كل ذلك هباء.
ومثل الذي قلنا في المال والجاه، نقول في مباهج المرأة وفتنتها، والخمر وشعشعتها، والميسر واستغوائه واستهوائه، فكل هذه لذائذ عارضة، تتزين بها الدنيا لتفتن بها العقول، وتخدع بها النفوس، ثم ينجلي الأمر بعد ذلك كله عن كذبة فادحة، أين منها كل أكاذيب أبريل؟! •••
فإذا نحن انتقلنا من الدنيا إلى أبناء الدنيا، وجدناهم كأمهم؛ رضعوا الكذب، ونشأوا في الكذب، وعاشوا في الكذب، هم كاذبون حتى بما يتزينون من ملابس، وإلا فلماذا زر الطربوش؟ ولماذا رباط الرقبة؟ ولماذا ثنية البنطلون؟ ولماذا الأزرار في جانب اليدين؟! وهم كاذبون في مأكلهم، فلماذا مظهر الكرم، وهو فوق المستطاع؟! والتباهي بالموائد، تقدم للأغنياء وتمنع عن ذوي الحاجات؟! ولماذا الإفراط في تعدد الأصناف، وهي فوق حاجة الجسم؟!
ثم ما هذا الكذب في كل مجتمع صغر أو كبر؟ فالبيت مملوء كذبا، يكذب الرجل على زوجته، والزوجة على زوجها، والأولاد على آبائهم في كل يوم وفي كل ساعة، إما كذبا بالقول أو كذبا بالفعل، ومصالح الحكومة مملوءة كذبا، رئيس يكذب على مرءوسيه، ومرءوسون يكذبون على رئيسهم، ورئيس ومرءوسون يكذبون على من اتصل بهم من أصحاب الحاجات، فكل مصلحة كأنها مصنع كذب، والمتاجر والمصانع كلها كذب في كذب، فمن أساس التجارة الإعلان الكاذب، والعرض الكاذب، والإيهام الكاذب، والأيمان الكاذبة، ويتبادل سوء الظن في المصانع العمال وأصحاب رءوس الأموال، كل فيها خادع ومخدوع.
ثم كل طائفة من الطوائف، وكل طبقة من طبقات الناس، لها كذبها في حرفتها ومهنتها، وسلوكها ومعاملاتها؛ حتى أصحاب الفضيلة ورجال الدين ووعاظ الأخلاق ومن نصبوا أنفسهم لمحاربة الرذيلة، إن أنت كشفت عن مظهرهم البراق، رأيت العجب العجاب، وما يحير الألباب؛ كالذي يقول المعري:
رويدك قد غررت وأنت حر
بصاحب حيلة يعظ النساء
يحرم فيكم الصهباء صبحا
ويشربها على عمد مساء
يقول لكم غدوت بلا كساء
وفي لذاتها رهن الكساء
وإن أنت نظرت إلى رجال السياسة، فالطامة الكبرى والمصيبة العظمى، فاللغة كاذبة؛ لا بأس عندهم أن يسموا الاحتلال انتدابا، بل لا بأس أن يسموه استقلالا، وأن يسموا القوة القاهرة المتغلبة «معاهدة على قدم المساواة»، ويسموا التوجيه بالقوة والقهر مجرد نصح وإشارة، والمستبد المالك للسلطان مستشارا، ولا بأس أن يضعوا المبادئ لتحكم القوي في الضعيف، ويسموها المبادئ العشرة أو ميثاق الأطلنطي، وأن يقولوا في الحرب ما ينقضونه في السلم، ولا بأس عندهم أن يضعوا المبادئ الجذابة والقوانين العادلة، فإذا هم طبقوها نسوا عدالتهم وذكروا ظلمهم، ولسنا ننسى في هذا المقام أفاعيل الأحزاب، وأكاذيب الزعماء والتكالب على الحكم، بدعوى إقامة العدل، وتضحية الجم الغفير من الناس لمصلحة زعيم من الزعماء، تحت ستار رفع الظلم ونصرة الحق ، وتلوين الحق بلون الباطل، والباطل بلون الحق، والنظر إلى الأشياء نظرة ضيقة متعصبة؛ حتى إن الشيء الواحد حق كل الحق إذا صدر من الحزب، وباطل كل البطلان إذا صدر من خصومه، كما لا ننسى كذب التاريخ السياسي مثل ما تكذب السياسة، فمؤرخو الألمان ينسبون سبب الحرب إلى خصومهم، وخصومهم ينسبونه إليهم، ثم هؤلاء وهؤلاء لا يتورعون عن أي كذب في سبيل الدعاية، وهم قادرون على أن يلونوا كل ما يخدمهم باللون الزاهي الجميل وكل ما يضرهم باللون القاتم الأسود. •••
وما بالنا نذهب بعيدا؛ والإنسان لا يكتفي بأن يكذب على غيره، بل هو شر ما يكون حين يكذب على نفسه، وكثيرا ما يكون ذلك، فهو يظلم الناس، ويظن أنه عادل، ويأتي بالشر، ويظن أنه يفعل الخير، ويفعل الفعل تدفعه إلى عمله مصلحة شخصية، ويظن أنه إنما يفعله للمصلحة العامة، وتصدر عنه أسوأ الأعمال فيلونها أمام نفسه بأنها خير الأعمال، فإن تنازل عن ذلك قليلا، واعترف بفعلته أنها جريمة، خلق لنفسه المعاذير أشكالا وألوانا، وقلما ترى في هذا العالم شريرا يعتقد أنه شرير، أو مجرما يرى أنه مجرم، وهو إلى ذلك يحاول أن يسمي الأشياء بغير أسمائها، فيسمي الرشوة هدية، ويسمي التحايل مهارة، ويسمي ظلم الناس لمصلحة أقاربه أو أصدقائه قدرة على النفع ... حتى الأدباء سموا كذب الشعراء خيالا، والمغالاة في التشبيه مبالغة، وهكذا مما لا يحصى ولا يعد. •••