تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو رأيت مجالسها وهيآتها تتخذ شكل الشورى ولا شورى، فأغلبية وأقلية وأخذ أصوات وسماع بيانات؛ وذلك في الظاهر لا الباطن، وإنما تعمل ما تعمل بالوحي الخارجي لا بالوحي الذاتي.

أو رأيت ميزانيتها تؤسس إيراداتها ومصروفاتها على رعاية ذوي الجاه دون عديمي الجاه، وعلى الإسراف في الكماليات قبل استيفاء الحاجيات.

إن رأيت هذا في أمة؛ فاعلم أن أخلاقها أخلاق عبيد لا أخلاق سادة. •••

أما إن رأيت الأمة يسود فيها اعتقاد كل فرد بأنه مثل كل فرد آخر له حقوقه وعليه واجباته، إن اختلفوا في الفقر والغنى، أو اختلفوا بين مرءوس ورئيس، أو اختلفوا في الحرف والمهن، أو اختلفوا في الألقاب، فلم يختلفوا في أنهم ناس؛ لكل حريته، ولكل حقه في الحياة، ولكل حقه في ضروريات العيش، ولكل حقه في أن يحترم، وكلهم أمام القانون سواء، وأمام الموظفين سواء، وكلهم في نظر العدالة سواء، مصالحهم المعقولة مقضية، وأوراقهم أمام الموظف مرتبة حسب دورها لا حسب وجاهة أصحابها؛ فهم في الحياة كفرقة التمثيل، قد يمثل أحدها فقيرا، وقد يمثل أحدها أميرا، ولكن كل يقدر في التمثيل حسبما أجاد؛ لا حسب الموقف الذي مثله، وكلهم أمام رئيس الفرقة إنسان له حقوقه وعليه واجباته.

ورأيت الناس فيها يقدرون بأعمالهم لا بمظاهرهم، وبكفاياتهم لا بأقاربهم ولا بأنسابهم، وبحقيقتهم لا بتهويشهم، والرأي فيها يوزن بحقيقته لا بمن قاله، والقوي الذي أجرم ضعيف أمام القانون حتى ينتصف منه، والضعيف الذي اعتدى عليه قوي حتى يعطى حقه.

ورأيت الناس فيها يؤدون واجبهم لضميرهم لا لخوفهم أو طمعهم، يتبرع الأغنياء للمستشفيات أو الملاجئ أو الجمعيات الخيرية؛ إرضاء لشعورهم لا لمديرهم، ورفقا بالناس لا خوفا من أولي البأس.

ورأيت حب الشورى ونظام الشورى يجري في دمائهم؛ فالبيت برلمان صغير لا يستأثر بالسلطة فيه رجل ولا امرأة، والمجالس والهيئات كذلك لا يستبد بها الرئيس، ولا توحى فيها الآراء والقرارات من وراء ستار، والبرلمان برلمان حق تصدر فيه الآراء عن بحث ودرس واقتناع، أسخط السلطة التنفيذية أو أرضاها، نقم عليه الرأي العام أو صفق له.

إن رأيت هذا في الأمة فأخلاقها أخلاق سادة لا أخلاق عبيد. •••

العبد لا يعمل إلا بالخوف، والسيد لا يعمل إلا بالرغبة، العبد لا يتحمل المسئولية؛ لأنها تتطلب الشجاعة، والسيد يتحمل المسئولية ويسعى لتحملها؛ لأنها توافق رجولته، الحكومة في نظر العبد جبروت، وفي نظر السيد مشرفة، السلطات في نظر العبد مفزعة مرهبة، وفي نظر السيد موجهة مرشدة، فإن عدت طورها استحقت عزلها. •••

ولكن هل في الإمكان تحويل العبيد إلى سادة، وأخلاق العبيد إلى أخلاق سادة؟

هذا السؤال هو بعينه سؤال هل تتغير الأخلاق؟ ونحن إذا غضضنا النظر عن النظريات الفسلفية في ذلك، ونظرنا إلى الواقع المحسوس وجدنا الإجابة عن هذا السؤال واضحة جلية؛ فالأخلاق في تغير مستمر سواء في ذلك أخلاق الأفراد أو الأسر أو الأمم، فكم رأينا من أفراد كانوا سادة؛ ثم صاروا عبيدا، وبالعكس! وكم من أسر كانت نبيلة ثم صارت خسيسة وضيعة، والعكس! وكانت الرومان - مثلا - سيدة عزيزة يوم كانت تعمل للمجد وتخلق الزعماء وقادة الجيوش والقانون ونحو ذلك، ثم أخلدوا إلى الراحة وأسرفوا في الترف وتركوا الأعمال للأرقاء، فذلوا وغلبت عليهم أخلاق العبيد، وهكذا نرى كل يوم أمثالا من سادة ذلوا، أو أذلة عزوا.

وشواهد التاريخ تدلنا على أن أكبر ما تمنى به السيادة الفقر والجهل؛ فهما إذا سلطا على فرد أو أسرة أو أمة - من ظلم حكامها - هدما سيادتها وحولاها إلى كلب ذليل؛ حتى إذا أيسرت بعد الفقر، وعلمت بعد الجهل، أخذت الحياة تدب فيها، والعزة تتمشى في مفاصلها، ومخايل السيادة تبدو عليها، فمن أراد السيادة فليسلك طريقها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٢٥