تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا «النشاز» نشأ من طغيان بعض عناصر الحياة على البعض الآخر، كما يطغى في الموسيقى صوت الرق على صوت العود أو القانون.

إن عناصر الحياة ثلاثة: عنصر مادي يخدم الأبدان، وعنصر عقلي يخدم التفكير، وعنصر روحي يحيي النفس، وجمال الموسيقى في تعادلها وتناسقها، فلما طغى عنصر المادة في المدنية الحديثة على العنصرين الآخرين أفسد الحياة.

إن موسيقى المدنية الحديثة طنانة رنانة مقلقة للراحة مفسدة للذوق، ترتفع بعض آلاتها حتى تكاد تصم، وتخفت بعض آلاتها حتى لا تكاد تسمع، ومن أجل هذا فقدت تناغمها، فضاع جمالها.

تقدمت في الصناعة، ولكن صناعاتها ومخترعاتها كانت لخدمة البدن وما إليه فحسب.

والتعليم في أساسه موجه إلى النجاح المادي في الحياة، ومناهجه في الجغرافيا والتاريخ والرياضة واللغات وسائر مناهج الدراسة تهدف إلى النجاح في الوظيفة أو النجاح في العمل، والعقل ارتقى كثيرا عما كان عليه في القرون السابقة، ولكنه وضع لخدمة الحياة المادية أيضا لا لخدمة التعاون ولا لخدمة الإنسانية.

والأخلاق وجهت هذه الوجهة نفسها؛ فالصدق، والمحافظة على المواعيد، وتقويم الزمن، والثقة بالنفس، ونحو ذلك - وضعت في أعلى قائمة الأخلاق؛ لأنها أخلاق تجارية، أعني أنها تنفع في عالم التجارة وعالم الأعمال، أما الرحمة، والإنسانية، والعطف، والتعاون - فوضعت في أسفل القائمة بعد أن فسرت تفسيرا ماديا، وحسبك أن المدنية الحديثة إذا ربت طيارا مثلا علمته الشجاعة والإقدام والاستعداد لتضحية النفس في الحرب، ولكنها لا تعلمه تقدير حالة من يطلق عليهم القنابل ومن تصيبهم من غير المحاربين، ولا تعلمه أن يرعى الإنسانية كما يرعى القومية.

وهكذا اتجه العلم فنظر إلى المادة ولم ينظر إلى روحها، واستخدم فيما يفيد جسم الإنسان لا ما يفيد قلبه.

أصبح العالم في وضعه الحاضر كجسم اختل توازنه وانعدم تناسقه، فاتسعت إحدى عينيه وضاقت الأخرى، وطالت إحدى يديه وقصرت الأخرى، واستقامت إحدى رجليه وعرجت الأخرى، فكان مشوها يستخرج من الناظر النفور والاشمئزاز، وهذا هو سر ما يعانيه العالم من شقاء: خوف شامل، واستعداد لقتال هائل، واضطراب في نظم الحكم ليس له من قرار، وانقسام العالم إلى معسكرين أو معسكرات، تتهاجى وتتراشق بالتهم ويفر كل من تحمل المسئولية ليلقيها على غيره، وهكذا وهكذا من أنواع الشرور التي تهدد بالفناء، وتكاد تجعل موسيقى العالم كلها «نشازا».

ولا أمل - مطلقا - في صلاحه إلا إذا أصلحت من جديد آلاته، ونظمت أصواته، ونسقت نغماته.

| عالم كذاب

ظلم الناس أبريل؛ إذ أضافوا إليه الكذب، فقالوا: «كذبة أبريل»، كأنه الكاذب وحده، أو كأن الكذب يقال في يوم من أيامه وحده، وكأن ما عداه من الأيام مظنة الصدق وقول الحق، مع أن كل الأيام في الكذب سواء، فكل الأيام كاذبة، وكل الأشهر كاذبة، لا يختلف فيها يوم عن يوم ولا شهر عن شهر، بل إن العالم كله كذب في كذب، أسس على الكذب وبني على الكذب، وكيف لا يكون هذا العالم كذابا، وقد خرج إلى الوجود بكذبة كذبها إبليس على آدم وحواء؛ إذ قال لآدم:

هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ، ثم ظهر أنها لا هي شجرة الخلد، ولا هو ملك لا يبلى، إنما هي شجرة الكذب، وإنما هو الملك الفاني الزائل.

كل شيء في العالم كذاب، الدنيا نفسها خداعة كذابة، تتبهرج أمام الناس كما تتبهرج المرأة الخليعة، فتفتنهم عن مسلك الحق وعيشة الصدق، تغريهم بمفاتنها ومباهجها؛ حتى يركنوا إليها ويطمئنوا لها، كأنها خالدة وهم خالدون، وتصرفهم عن التفكير في المستقبل والمآل، فهؤلاء فتنوا بالمال ووجهوا كل حياتهم إليه، ينفقون في جمعه أعمارهم؛ يكسبونه ويدخرونه، أو يكسبونه وينفقونه، وهم يتحاربون من أجله، ويتخاصمون من أجله، ويتعادون من أجله، كأنه غاية الغايات في الحياة، وكأنهم خلقوا له، وعاشوا من أجله، هو تفكيرهم بالليل، وهمهم بالنهار، يبيعون من أجله الحق والشرف والخلق والصداقة، وكل هذا من خداع الدنيا لهم وكذبها عليهم، ثم ينتهي الأمر أخيرا إلى عجز أو شيخوخة أو مرض أو موت؛ حيث تنكشف الخديعة بعد فوات الأوان.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٢٢