وزادهم نجاحا فهمهم للقوى الطبيعية في العالم، وإدراكهم كثيرا من أسرارها، واتخاذهم منها صديقا من الأصدقاء يمكن استغلاله في مصلحتهم بعد أن كان ينظر إليها على أنها عدو مخيف مرعب.
ثم زادهم نجاحا أنهم أسسوا إصلاحهم على العلم لا على الخيال: العلم بالطبيعة التي حولهم، والعلم بالبيئة التي تحيط بهم، والعلم بالناس وطبائعهم، فكانوا إذا دعوا إلى نوع من الإصلاح درسوا واكتشفوا الحقائق، وجربوا وبنوا إصلاحهم على الدرس والإحصاء والتجربة، فكان النجاح مكفولا، ودلهم البحث في مجتمعهم على إدراك نقط الضعف في حياتهم ونقط القوة، ثم وجهوا هممهم نحو نقط الضعف فقووها، ونقط القوة فزادوها قوة؛ حتى سادت الروح العلمية في كل مناحي الحياة الاجتماعية وأنظمتها ومحاولة إصلاحها.
وقد علمتنا الحياة أن النجاح يبعث على النجاح، والفشل يبعث على الفشل، فلما نجحوا في تجاربهم الأولى دعاهم النجاح إلى متابعة النجاح بل مضاعفته، فانتقل العالم في هذين القرنين إلى ما كان يعد حلما من الأحلام أو ضربا من الأوهام.
والشرق لا يزال في حاجة إلى هذه الخطوة الأخيرة التي خطاها العالم الغربي، فيتجه نحو حاضره كما هو متجه نحو ماضيه، ويتجه إلى إصلاح دنياه كما هو متجه إلى أخراه، ويعتقد أن في مقدوره أن يصلح ما فسد، ويجدد ما بلى، ويدرك مواضع قوته ومواضع ضعفه، ثم يعالج ضعفه بالعلم، وإذ ذاك يسير في ركب الحياة مع السائرين ويبني مع البانين.
| آفة الشرق التقاليد
لعل أهم سبب في تقدم الغرب وتخلف الشرق هو أن الأول يبني حياته على العلم، والثاني يبني حياته على التقاليد والأوضاع الموروثة وحيثما اتفق.
ويظهر هذا الفرق بين الأسلوبين في كل ناحية من نواحي الحياة.
فالزراعة في الشرق - وهي عماد حياته - تجري على التقاليد الموروثة عن آبائنا الأولين، سواء في ذلك الآلات الزراعية التي عرفت من عهد قدماء المصريين والبابليين والأشوريين، ومنهج الزراعة وأساليبها، وليس يستعمل في الشرق الآلات الحديثة والمناهج الزراعية الحديثة إلا أفراد قليلون لا يمثلون أممهم، والعلم الآن قد قلب كل هذه الأوضاع، وأصبح يستطيع بآلاته ومناهجه أن ينتج أضعاف أضعاف ما تنتجه الأساليب القديمة، ولو اتبع الشرق الوسائل العلمية الحديثة في زراعته لأنتج ما يغنيه عن الاستيراد من الخارج، بل لكان مصدرا كبيرا للتصدير بعد ما يستكفي حاجته.
إن العلم الحديث يستطيع أن يصلح الأراضي البور في أقرب زمن وبأقل تكاليف، ويستطيع أن يضاعف الإنتاج من الأراضي المزروعة، ويستطيع أن يدخل في الزراعة أصنافا جديدة لا عهد للشرقيين بزراعتها، ونحو ذلك، وبهذا كله تنقلب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد؛ لأن الفقر ينهزم أمام هذا العلم، ويجد الناس حاجتهم من الطعام في سهولة ويسر، والفقر أساس الجهل والمرض، فإذا انهزم ... انهزم معه الجهل والمرض.
ويتصل بالزراعة تربية الماشية، فكم من ألوف منها تنفق كل عام؛ لأننا لا نستخدم العلم في تغذيتها ووقايتها، ولو فعلنا لقل موتها، وقوي جسمها، فانتفعنا بلحومها ونتاجها وقوتها وألبانها انتفاعا مضاعفا؛ لا يمنعنا منه إلا أننا نربيها على أساليب العصور القديمة.
بل إن العلم كفيل بقلب الصحراء جنة يانعة، وكفيل بأن يحول الماء المتدفق من الأنهار في البحار سدى إلى ما يمكث في الأرض فيخرج حبا ونباتا وجنات ألفافا. •••
وما قلنا في الزراعة نقوله في الصناعة ... فصناعتنا في الشرق إلى الآن صناعة بدائية وإن تقدمت قليلا، وأكثرها جار على الأساليب العتيقة التي يسخر منها العلم الحديث، فكم في أرض الشرق من منابع ثروة تحتاج إلى صناعة في إخراجها كمناجم الصحراء والقوات الكهربائية من مساقط المياه، وكم فيها من مادة خامة لا ينقصها إلا العلم؛ ليعرف كيف يضع الخطط لاستخراجها واستغلالها، وليس يمكن هذا كله إلا بالمال، والمال كذلك يحتاج إلى علم عميق ... فمعاملتنا المالية إلى الآن معاملة ساذجة، وتدبير المال وتوزيعه واستغلاله والإشراف عليه من أكبر ما ينقص الشرق.