وعلم الاقتصاد إلى الآن علم لم يتقنه الشرق، وليس يعرف أغنياؤنا من المال إلا أنه وسيلة لشراء العقارات، فإن فهموا قليلا فشراء السندات، أما استغلاله في الشركات لكشف منابع الثروة وتقدم الصناعات فشيء لم نألفه إلا قليلا. •••
فإذا نحن جاوزنا الماديات إلى المعنويات، وجدنا المشكلة هي بعينها، والحل هو عينه، أي إننا نسير حيثما اتفق فنتعثر، وينقصنا العلم لنسير على الجادة.
صحتنا العامة في خطر؛ لأننا لا نستخدم العلم في طرق الوقاية وطرق العلاج، وقد تسلط العلم الطبي في الأمم الحية على الحالة الصحية فيها وأخضعها لنظامه ووقاها من كثير من الأوبئة والأمراض، ولا يزال الشرق في حاجة إلى استكثار منه وإحلاله محل طب الركة وطب التقاليد.
فإذا نحن نظرنا من هذه الزاوية إلى الحالة الاجتماعية والسياسية في الشرق، رأينا عجبا أي عجب ... حتى دعوات الإصلاح تبنى على العواطف والمشاعر لا على أساس العلم، فندعو إلى إصلاح المساكن، وإلى توفير الماء الصالح للفلاح، وإلى مكافحة الأمية، وإلى القضاء على الحفاء ... ونحو ذلك، بمجرد العاطفة لا عن درس عميق، فإن الدرس العميق يتطلب تشخيص الداء والاعتماد على الإحصاء، ووجه العلاج، وما يتطلب من مال، وخطوات التنفيذ، وما قد يعترضها من صعوبات، وتهيئة الرأي العام لقبول الإصلاح ونحو ذلك، كل هذا هو الدرس العلمي للمرض الاجتماعي وعلاجه، أما الاكتفاء بالأمل ووضع خطط شعرية للموضوع يهزأ بها الواقع فلا تغني شيئا، ولذلك فشلت كل ضروب الإصلاح المبنية على الخيال لا على العلم.
وكذلك الشأن في السياسة؛ فقد أصبحت السياسة علما بأصول وقوانين مستمدة من التاريخ والتجارب، وقد كشفت الأحداث القريبة في الشرق أن رجالنا ينقصهم علم السياسة، فهم يقابلون الآراء السياسية المبنية على العلم والدرس ووضع الخطط المحكمة، بالآراء المرتجلة التي تعتمد على الآمال، لا على الدرس والتحليل والتعمق ، فيخسرون قضاياهم.
وشأن السياسة الداخلية شأن السياسة الخارجية، كلتاهما علم وفن ما لم يحذقا فالفشل المحقق والاضطراب الدائم. •••
وهكذا غزا العلم كل ميدان، وصار - في الغرب - الأساس لكل حياة ... حياة الزراعة والتجارة والصناعة والاقتصاد والسياسة والتربية وكل شيء، ولا بد لنا ما دمنا قد اعتنقنا المدنية الغربية وسرنا على طريقها أن نسلك خطتها فنبني حياتنا على العلم. •••
إن ما يحتاج إليه الشرق هو بث الروح العلمية في الأفراد والجماعات، فإذا تم ذلك رأينا انقلابا خطيرا في جميع مرافق الحياة ... الأم تربي ابنها على أساس علمي، والزارع يزرع أرضه على أساس علمي، وكذلك المالي والسياسي والمصلح الاجتماعي وهكذا، ولم يعد هناك مجال للخرافات والأوهام والأوضاع العتيقة والتقاليد القديمة، بل إني أرى أن الفوضى في مجالسنا وطول جدلنا وعدم وصولنا - بعد الجدل الطويل - إلى نتيجة، سببها في الأعم الأغلب انعدام الروح العلمية؛ لأن هذه الروح من أهم صفاتها خضوعها للمنطق واستعدادها للتفاهم.
وليست تتم سيادة هذه الروح العلمية في أمة إلا إذا عممت المنهج العلمي في دراستها، ونال كل طالب قسطا وافرا من العلوم كالطبيعة والكيمياء، وأدخل العلم في المدارس الصناعية والزراعية والتجارية، ونشرت بين الجمهور الثقافة العلمية الشعبية، وأجريت أمامهم التجارب العلمية حتى يروا نتائجها بأعينهم ويؤمنوا بها، فتحل العقائد العلمية محل العقائد الوهمية، ثم يكون على رأس ذلك معهد قوي عظيم للأبحاث يكون مرجعا لكل المشتغلين في الصناعة والزراعة والمهن، يستهدونه في أمورهم ويستفتونه في مشكلاتهم، وعلى كل؛ فلا أمل في أمم الشرق إلا إذا بنت حضارتها على هذا الأساس.
| موسيقى الحياة
حياة كل فرد موسيقى تصدر من أوتار مختلفة وآلات متعددة، فإذا تناسقت وتناغمت أنتجت صوتا جميلا وكانت السعادة، وإن تنافرت وتخالفت أنتجت صوتا قبيحا وكان الشقاء.