تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذه الفترة يظهر أفراد في المجتمع من طبيعتهم أنهم أكثر شعورا بالألم من النظام الموجود، وأكثر علما بعيوبه وما يجلب من مضار، وأوسع خيالا في تصور الأوضاع المستقبلة الجديدة التي يجب أن تحل محل القديم، وعندهم من الشجاعة ما يدفعهم للجهر بهذه الدعوة الجديدة وتصويرها وتلوينها باللون الجذاب، ولكنهم لا يلبثون أن يدعوا دعوتهم حتى يهب في وجوههم المحافظون وأنصار القديم، وهؤلاء أصناف؛ منهم من حمله على الانتصار للقديم غلظ شعوره وتبلده، فهو لا يألم من النظام المألوف وعيوبه؛ لأنه ألفه كما يألف الإنسان المكيفات فلا يشعر بضررها، ومنهم من أصيب بالخمول والكسل العقلي، فليس له من النشاط ما يحمله على النظر في الدعوة الجديدة وحججها - وكل دعوة جديدة تحتاج إلى نشاط جديد في التفكير وبحث في البراهين - وهو ليس قادرا على ذلك، والقديم مألوف معتاد مريح لا يكلف اعتناقه عناء البحث فيركن إليه ويطمئن به، ومنهم من يحمله على الانتصار للقديم منفعته المادية إذا كانت الدعوة الجديدة تضيعها كرجال العقيدة القديمة وموظفي النظام القديم، وهكذا.

إذ ذاك تنشأ معارك بين أنصار القديم وأنصار الجديد، قد تقتصر على الحرب الكلامية، وقد تشتد حتى تكون ثورة دموية كالثورة الفرنسية والروسية والأمريكية في العصور الحديثة، وكالثورة النصرانية على الوثنية، وثورة الإسلام على عبادة الأصنام.

ثم تنجلي هذه المعارك إما عن نصرة القديم وقمع دعوة الإصلاح والتجديد، وعند ذلك يتأجل الإصلاح والتجديد حتى تتهيأ له ظروف أنسب وجو أصلح، وإما أن ينتصر الجديد ويهزم القديم ويتحول المحافظون إلى أحرار ينصرون الجديد بعد أن تتجلى فائدته، ولكن حتى في هذه الحالة لا يمكن انتصار الجديد الصرف، بل لا بد أن يكون مشوبا بشيء من القديم حتى يستطيع أفراد الشعب أن يتذوقوه؛ إذ ليس في استطاعة سواد الناس أن يتذوقوا الجديد الصرف، وقد يتجاهل دعاة التجديد هذه الحقيقة فتصاب دعوتهم بالنكسة، وهكذا يتحرك «بندول» الأمة بين حركة إلى الأمام، وحركة إلى الخلف؛ تبعا لنشاط المجددين وطبيعة المحافظين. •••

ونحن لو نظرنا إلى تاريخ العالم وجدنا أنه لم يسر نحو التقدم والتجدد بخطى ثابتة مستمرة، بل كان أحيانا يرجع إلى الوراء، وأحيانا يتقدم تقدما بطيئا، وأحيانا يقفز إلى الأمام قفزا، ولعل ما أدركه من التقدم في القرنين الأخيرين يعادل تقدمه في الأجيال القديمة كلها، ولذلك التقدم أسباب كثيرة؛ أهمها: أن الإنسان في القرون الوسطى كانت تسوده عقيدة أن عصره الذهبي إنما كان في ماضيه لا في حاضره ولا في مستقبله، وإذا أمل شيئا في المستقبل ففي الحياة بعد الموت لا في الحياة الحاضرة، وأن ما يشقى به في حاضره من ظلم حكام، واستبداد أغنياء بفقراء ونحو ذلك، شيء مقدور فرضه القدر عليه فرضا لا يستطيع أن يدفعه ولا أن يرفعه، وإذا؛ فليرض بالحاضر وليؤمل في الحياة الأخرى ليس إلا.

وكان على هذه العقيدة اليهود والنصارى والمسلمون في عصورهم المظلمة، ثم زاد الظلم وزادت الحال سوءا، ووجد في العصور الحديثة أفراد أدركوا سوء الحال أكثر مما أدركه سواد الشعوب، وجربوا تجارب زادتهم إيمانا بأن الحاضر السيئ يمكن تغييره، وأن الظلم يمكن دفعه، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالثورة على النظام الحاضر والنظرة القديمة إلى الحياة، وإحلال النظام الصالح الجديد محل النظام الفاسد القديم، ودعوا إلى أن النظام القائم والفساد الحاضر ليس قدرا مقدورا، ولكنه نسيج من صنع الإنسان يستطيع أن ينقض غزله ويغزل بدله غزلا قويا متينا صالحا، وأن الحكومة الفاسدة، وظلم الأغنياء، والعادات السيئة والتقاليد الرثة، في إمكان الإنسان أن يثور عليها ويغيره ويحل محلها خيرا منها، فعمل المصلحون على ذلك، وتحملوا العذاب في سبيل دعوتهم، وألحوا فيها، فإذا قتلوا أو شردوا خلفهم من يدعو دعوتهم، إلى أن نجحوا فتحقق أملهم، ودلت التجربة على أن الحاضر من صنع أيديهم، وأنهم يستطيعون تغييره، وأنهم غيروه فعلا، فتبعهم المصلحون وتشجعوا على الإصلاح، وغيروا وجه العالم سواء في الماديات أو في المعنويات: في الصناعات، في أسس المعيشة الاقتصادية، في نظام الحكم، في الشئون الاجتماعية، إلى غير ذلك، وكان رائدهم الأعلى الإيمان بقدرتهم، وأن الفساد من صنع أيديهم، وأن الناس قادرون على الإصلاح كما هم قادرون على الإفساد، وأن السلطات التي تكبلهم وتقيد حريتهم وتسومهم سوء العذاب ليست إلا أوهاما يستطيعون التغلب عليها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩١٨