الثالث:
ألا يأتي من الأعمال في حياته ما يفسد عظمته أو بطولته، فالنابغة إذا كان وطنيا كبيرا، أو اقتصاديا كبيرا، أو عالما كبيرا، أو فيلسوفا كبيرا، ثم أتى بما يدل على خسته أو نذالته لم يصح أن يسمى بطلا، و«بيكون» الذي قيل إنه: «أكبر فيلسوف وأخس إنسان» يصح أن يسمى فيلسوفا، وأن يسمى نابغة، ولكنه لا يصح أن يسمى بطلا؛ لأنه فقد منزلة القدوة وفقد الاحترام والإجلال، ولا بد للبطل أن يكون مثلا يحتذى ونورا به يهتدى.
أما متى ينتج البطل، وكيف يولد في الأمة؟ فشيء ما زال سرا غامضا ولما يكشفه العلم والبحث، قالوا: «إنه يتبع الصحة الحسنة وجودة الغذاء»، فجاء البطل أحيانا مريض الجسم تربى على سيئ الغذاء، وقالوا: «إنه ينتج من الأسرة الصالحة والأسرة المشهورة بالنبل والذكاء»، فجاء أحيانا من أسرة وضيعة لم تعرف بالنبل ولا بالذكاء وقالوا: «إنه يمكننا حدسه بما اخترعنا من مقاييس الذكاء»، فنجح البطل بعد أن سقط في امتحان مقياس الذكاء، وقالوا: «إنه لا بد أن يكون ذا طلعة بهية ووجاهة جلية»، فظهر البطل كما ظهر سقراط في قبح زري، ومنظر غير بهي، ولكن غطى جلال بطولته على زراية هيئته.
فالحق أن قوانين البطولة لم تستكشف بعد، ولله في خلقه شئون.
| صراع الماضي والحاضر
من طبيعة هذا العالم التغير المستمر ، سواء في ذلك شئونه المادية والمعنوية، فمن حين إلى حين تعتور الأرض الزلازل، والبراكين، والفيضان، والمد والجزر، والعواصف والأمطار، ونحو ذلك، فتكون عاملا كبيرا من عوامل التغير المستمر في سطح الأرض.
وكذلك حياة الناس على وجه الأرض في تغير مستمر كتغير سطحها، فكم من الفرق بين بيت الرجل البدوي في سذاجته وبساطة أدواته، وبيت الرجل المتمدن على أحدث طراز، المزود بالراديو، والتليفون، وتكييف الماء، وتكيف الهواء، المؤثث أثاثا فخما فيه كل أسباب الترف والنعيم، وهكذا الشأن في كل مرفق من مرافق الحياة وكل نظام من نظم المعيشة، في وسائل النقل والبريد، وفي المعاملات الاقتصادية، وفي أساليب التسلية، وفي معاهد التربية، وفي نظم الحكومة، وفي كل شيء، ولو قارنت بين شأن الإنسان في أول عهده وشأنه اليوم لرأيت العجب فيما دخل عليه من تغير مطرد.
وقلما يستطيع الإنسان التدخل في أعمال الطبيعة، وإن تدخل فليس تدخله لمنعها، ولكن لاستخدامها في منفعته، فهو لا يستطيع أن يمنع زلزالا أو ثوران بركان، ولكنه يستطيع أن ينظم الفيضان لخدمته، وأن ينتفع بالمطر في شئونه، أما التغيرات التي تحدث من أعمال الإنسان في تنظيم حياته، وتنسيق مرافقه، وما يلحقها من صلاح وفساد، فإن له دخلا كبيرا فيها، وأثر الإنسان فيها يختلف باختلاف الرجال قوة وضعفا، فقادة الحروب العظام غيروا مجرى التاريخ، وكان العالم يسير غير سيرته لو لم يوجدوا، وحسبنا أن نضرب مثلا في عصرنا الحديث بنابوليون وهتلر وكيف غيرا سير العالم، وأحدثا من الأحداث ما لم يكن يحدث لو لم يوجدا.
وكذك الشأن في كبار المصلحين الروحيين والاجتماعيين والاقتصاديين، فإنهم أسرعوا في تغيير العالم وتقدمه، ولولاهم لسار سيرا بطيئا، ولما وصل إلى ما وصل إليه من رقي. •••
وقد دلنا التاريخ على أن الجماعات والأمم تسير على أنماط متشابهة في تغيرها وتطورها وانتقالها من القديم إلى الجديد.
فكل جماعة سرعان ما تتكون لها تقاليد وعادات وأوضاع ومعتقدات، تقدسها وتلتزمها، وتجعل العمل على وفقها فرضا محتوما، وتكره الخارج عليها والعاصي لها، ولكن بمرور الزمان تنشأ عوامل مختلفة تجعل ما كان صالحا من العادات والتقاليد والأوضاع غير صالح، ويبدأ الشعور بنقصها وعدم صلاحيتها ووجوب تغييرها، وتمر الجماعة أو الأمة في هذه الفترة بنوع من الشعور بالقلق والحيرة والغموض، وسبب هذه الحيرة وهذا الغموض يرجع إلى الإحساس بعدم صلاحية القديمة الموجود، مع عدم تحديد الجديد المطلوب وما يجب أن يكون.