تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليت شعري لو كان «شو» في الشرق، ماذا كان يكون مصيره؟

فأول كل شيء من المحال أن يكون «شو» شرقيا، فشجر الأرز لا ينبت في خط الاستواء، والثلج يذوب في الحرارة، فإذا أمعنا في الخيال وتصورناه شرقيا فأكبر الظن أنه لم يكن شجرة مثمرة، بل ولا شجرة ناضرة.

لقد كانت تتعاون عليه القوى كلها؛ لتخنقه في مهده، أو تكمم فمه فلا يستطيع قولا.

إنه في بلاده هاجم كل طائفة بلسان مقذع فأفسحوا صدورهم له، وقابلوا نقده بروح رياضية، وضحكوا منه فشجعوه بذلك على الاستمرار والاسترسال حتى بلغ القمة.

هاجم العادات وقال: «إن عيد الميلاد لعبة اخترعها الخمارون؛ ليبيعوا خمورهم» وهاجم الطبقات وخاصة طبقة الأغنياء في اشتراكية، وهاجم رجال الدين في أساليبهم، وهاجم رجال العلم في غرورهم، وهاجم الأدباء في اهتمامهم بسفاسف الأمور وعبادتهم للأصنام، وأخيرا منع الرقيب إحدى رواياته؛ لخروجها عن اللياقة والحشمة فاتخذ الرقباء موضع سخريته؛ وقال: «إن الرقيب داعر، أما شو فإنه طاهر عفيف، وإن الرقيب بمنعه هذه الرواية قد جنى على الأخلاق، وإنه إنما يسمح بما يسمح به من الروايات لرذيلتها لا لفضيلتها، وإن جريمة شو في هذه الرواية ليست في أنه عرض في روايته لبنت من بنات الهوى، ولكن جريمته أنه لم يجعلها كلها هوى».

وهكذا وهكذا، فلم يسلم من لسانه شيء، ومع هذا قوبل بالإعظام والإكبار حتى من خصومه.

لو كان عندنا لتكاتفت كل الطوائف على خنقه؛ من أغنياء لا يطيقون كل ما في اشتراكيته، ومن أدباء خطرات النسيم تجرح مشاعرهم، ومن محافظين يضيقون ذرعا بأي خروج عن العادات والتقاليد، ومن رجال سياسة ورجال إدارة لا ينظرون إلى الأمور إلا نظرا حزبيا، وهو أكره ما يكرهه شو.

وعلى الجملة فلو كان «شو» في الشرق لانتحر أو انفجر أو لبس جلدا غير جلده.

| لماذا تغضب المرأة؟

لئن كان آدم على ظهر الأرض لغزا من الألغاز يصعب حله، فإن حواء لغز أكثر تعقيدا وأصعب حلا، وكل السنين التي مرت عليها لم تزدها إلا غموضا وتعقدا، ومهما تقدم علم النفس وادعى أنه وضع يده على سر النفس الإنسانية، عاد فأقر بالعجز عن فهمها، وبخاصة نفس حواء.

ولنحاول في هذا المقال أن نكشف عن ظاهرة من ظواهرها تميزها عن آدم.

ففي نظري أن المرأة ساخطة ما لم تسترض، والرجل راض ما لم يستسخط.

ولعل هذه الظاهرة تفسر لنا كثيرا من سلوك المرأة في الحياة؛ فهي ملول، وهي ضجرة، وهي متبرمة، وهي كثيرة السخط على صديقها، وعلى أسرتها، وعلى زوجها، وعلى الدنيا بأجمعها، تريد في كل حين أن يبذل من يتصل بها الجهد في إرضائها بشتى الأشكال والألوان.

سل العاشق: كيف عانى من حبيبته وهجرها وسأمها ودلالها، وكم بذل من جهود في سبيل إرضائها، وكم لاقى من عذاب صد وهجران، وملال ودلال.

وسل رب الأسرة: كيف يجد زوجته كالبحر، يهدأ حينا ويهيج أحيانا، وكيف يتركها في البيت راضية ويعود فإذا هي ساخطة، لأتفه الأسباب أو من غير إبداء أسباب، وكيف تسخط عليه، وتسخط على الخدم، وتسخط على أبنائها وبناتها، وكيف تبحث عن أسباب السخط في كل زمان ومكان؛ حتى إذا وجد ألف سبب يدعو إلى الرضا وسبب واحد يدعو إلى السخط، غلبت السبب الواحد وسخطت كل السخط، والرجل - في الأعم الأغلب - على العكس من ذلك يرضى ويسترضى، ويحلم ويستحلم، ولا يغضب إلا إذا استغضب. •••

واستعرض ما يتصل بالمرأة من الآداب والفنون؛ فماذا ترى؟ ترى الغزل في الأدب مملوءا باستعطاف الرجل للمرأة، وشكواه الدائمة من صدها ومللها، وبكائه من هجرانها ووصفه لقسوتها، فإن هو نعم برضاها فلحظات في جحيم سنوات.

وترى الأغاني والموسيقى ملئت بالنغمات الحزينة مما أصيب به الرجال من النساء، من لوعة وضنى وعذاب أو شقاء، فإن رأيت من النساء من تشكو سأم الرجل وملله فالقليل النادر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩١٤