ومن أجل ذلك اتجه في أدبه ونقده إلى تقويم ما له قيمة حقيقية، لا شكل براق، فهو يزدري الخفيف من الروايات والقذر من النكات، ولا يقوم من الروايات إلا ما كانت ذات وزن، ولا من النكات إلا ما كانت عميقة ذات ذكاء. •••
حدد برنامجه أن يكون ثائرا على المجتمع وأخطائه ثورة بطيئة دائمة محققة، وأن يكون مجددا في أفكاره، مجددا في أسلوبه، وفي رواياته، وفي حواره، واستدلاله، فناصر المرأة وطلب مساواتها بالرجل، ولم يسلك في براهينه سبيل من قبله من رفع شأن النساء حتى يتساوين بالرجال، بل رثى لحالة الرجال وطلب أن يتساووا بالنساء، وفي كل رواية من روايات «شو» الأولى حوار بين الرجل والمرأة؛ تغلب فيه المرأة على أمرها؛ لتعترف بأنها حقا على مساواة مع الرجل.
وناصر حركة الكتابة الصوتية؛ أي كتابة ما ينطق من الحروف وحذف ما لا ينطق، فلا معنى لكتابة حروف لا ينطق بها، ولا النطق بحروف لا تكتب.
ولم يعجبه غرور العلماء في عصره وادعاؤهم علمهم بكل شيء، فأبان عجزهم وضعفهم، وأن ما جهلوا أكثر مما علموا، وأن بعض ما قالوا يعوزه الدليل الصحيح؛ ومما قاله في ذلك: «إذا قال لي الفلكيون: إن ثمة نجما بعيدا عنا يرسل ضوءه فيستغرق وصوله إلينا آلاف السنين، فقولهم هذا كذبة بلقاء، يعوزها التمويه الفني».
ويقول عن هكسلي: «إنه عراف كبير»، ومع ذلك فشو مشغوف بالعلم، مطلع عليه اطلاعا واسعا، يستمد أدبه من سعة علمه. •••
لقد بهر «شو» الناس بأشياء كثيرة: ذكاؤه النافذ الذي يصل إلى أعماق ما في الأشياء، ثم يخرجها بعد ذلك في شكل واضح بسيط جذاب، فهو جيد الإنتاج جيد الإخراج، قد يصل إلى فكرة لو عبر عنها الفيلسوف لخرجت منه غامضة مبهمة معقدة قد أغرقتها الاصطلاحات المألوفة، فيخرجها «شو» في جملة واضحة رائعة فتفهم وتضحك، ثم إلى ذلك قدرته الفائقة على النكتة، ونكتة «شو» قد يحسده عليها «فولتير» نفسه، أو كما نقول نحن يحسده عليها «جحا»، فهي ذات جذور فكرية عميقة، وإذا عرض لموضوع ليتنادر عليه استقصى كل نواحيه حتى كان كما قالوا: «إذا تنادر على خياط استنفد النوادر عليه إلى آخر نادرة عن الأزرار».
وأحيانا يسرف فيزل ويأتي بما ينبو عنه السمع، فيكون له من ذلك كثير من الأعداء، ثم صوته الجذاب الذي يستطيع به أن يقول ما يسيء - بنغمة عذبة - فتقبل منه، ووقفته الخطابية البديعة التي يقفها من غير اكتراث، ويلقي برأسه إلى الخلف في خفة، ويترنح أحيانا هازا كتفيه وهو يحمل وجها ذا حاجبين كثيفين، ولحية حمراء مدببة علاها الشيب.
إن «شو» في هيكله الذي وصفناه وفي نقده اللاذع، وفي رواياته الجديدة التي خرجت على الناس بشكل جديد وتأثرت بقوته في الحديث والحوار، والميل إلى الجد والاستخفاف بالتوافه، وشو في فلسفته التي تدعو إلى الحياة وتقويتها والإصغاء إلى العقل لا العادة والعرف، والإصلاح في غير خداع ولا مواربة، كل هذا جعله قبلة الأنظار، وزعيم الأدباء، والمثل الذي يحتذى. •••
وقد أثر في الشعب الإنجليزي أثرا كبيرا من نواح كثيرة؛ فقد استنزل الفلسفة والاقتصاد والمعاني السامية من السماء إلى الأرض، وجعل الشعب يفهمها، وجعل العلماء والفلاسفة يقلدونه في وضوحه، ويحذون حذوه في محاربة الغموض.
وهو إلى ذلك يركز المسائل العامة الفلسفية والعلمية في «برشامة» كما يركز السحاب المنتشر في قطرات المطر، فكان في أسلوبه هذا مثلا للعلماء يحتذى.
وأكثر من هذا أنه حمل حملة شعواء على ما كان سائدا في عصره من موجة التشاؤم فأبادها، وأحل محلها موجة التفاؤل وحب الحياة والعمل للحياة.
وإن كان يؤخذ عليه شيء؛ فإشاعته بين الناس التدجيل في الكلام، ممن وهبوا ثرثرته ولم يوهبوا حسن ذوقه وخفة روحه، ثم ما قلده الناس فيه من الاستهزاء بالعادات المألوفة مهما حسنت، وبالقديم مهما جل، ولكن أي الرجال الكامل؟