تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتجلى هذا الخلق في المرأة في مظاهر كثيرة؛ فهي أكثر من الرجل في طلب التسلية، من سينما وتمثيل وحفلات وما إلى ذلك؛ فإن وجدت فيها كثيرا من الرجال فبإيعازها وإلحاحها وتشجيعها، فهي تحب أن تقتل سأمها بهذه الأشياء كلها، ثم هي تكره الوحدة أكثر من الرجل، وتكثر من الزيارات والمقابلات؛ لأنها تشعر أن الوحدة مع السأم والملل سم قاتل. •••

ومن مظاهر هذا الخلق رغبتها المستمرة في تغيير الزي وابتكار البدع «المودة»، ففي كل سنة بدع جديد في الألوان والأشكال، وفي شكل الشعر، والقبعات، والأحذية ونحوها، على حين أن الرجل قد مرت عليه عشرات السنين لم يغير فيها شكل بذلته وقبعته أو طربوشه؛ تريد المرأة أن تقهر الرجل وترغمه على أن يزيل سأمها بملقه لها وتدليلها، وأن يبتكر لها دائما ما يجدد حياتها، فإن قصر في ذلك فالويل له كل الويل، ثم إذا ترأست عملا فمستبدة قاسية، هي كذلك في البيت إذا تحكمت، وفي المدرسة إذا كانت ناظرة، وفي المصنع إذا كانت مديرة، وهكذا، كأنها تريد أن تبعد مللها بتحكمها واستبدادها، وهي على بنات جنسها أقسى منها على أبناء آدم؛ لأنها في داخل نفسها وفي وعيها الباطن تشعر أن الرجل مظنة أن يزيل سأمها، وليست كذلك المرأة أختها.

وبعد، فما السبب في سأمها هذا ومللها وضجرها؟

يخيل إلي أن أكبر سبب لذلك انطواؤها الدائم على نفسها وتفكيرها المستمر في شخصها، وقلة تفكيرها فيما هو خارج عن نفسها، إلا أن يكون ذلك في خدمتها.

والانطواء على النفس وطول التفكير فيها مدعاة للسأم دائما، ولذلك نرى من فقد بصره أو سمعه أو رجله أكثر سأما ومللا؛ لأنه بعاهته أصبح أقل اتصالا بالعالم الخارجي، وتفاهما معه، واستمتاعا به.

فالمرأة من أول عهدها بالحياة كثيرة التفكير في جمالها وقبحها، كثيرة النظر في المرآة لتطمئن على شكلها، دائبة على تصفيف شعرها وتحلية منظرها، متطلعة دائما لمعرفة مستقبلها، كثيرة الحديث عن زواجها، متخيلة الخيالات العديدة لمن تتزوجه قبل أن تتزوج، متقصية كل حركة من حركاته بعد أن تتزوج، وإذا قرأت في كتاب فأحب شيء إليها فيما تقرأ ما يغذي عاطفتها الشخصية، ويصور حالاتها وحالات مثيلاتها؛ أما العالم الخارجي الذي لا يتصل بها من قريب، وأما المعاني المجردة وأما الفلسفة النظرية فأشياء لا تأبه بها، وقلما تمهر فيها؛ لأنها بعيدة عن شخصها.

فلما أكثرت من التفكير في نفسها، وجعلت شخصها مركز الدائرة التي حولها، وفسرت ما يحيط بها بمزاجها وميولها، ضجرت وملت وسئمت؛ خضوعا للقانون الطبيعي الذي ذكرنا.

هذه ناحية من نواحي حواء، وما أكثر نواحيها وما أعجب شئونها.

| البطولة والأبطال

إن لكثير من الكلمات سحرا لا تستطيع معاجم اللغة أن تقبض عليه أو تحدده، فكلمة «بطل» و«حرية» و«جمال» و«ديموقراطية» ونحو ذلك، كلمات قد أحيطت بهالات من نور تؤثر في النفس ولا يستطيع اللغوي أن يحددها، فإذا هو حاول ذلك ظهرت عليه علامات العجز والضعف والكلال.

وشيء آخر، وهو أن لكل لفظة تاريخا كتاريخ الأشخاص والأمم؛ فقد توضع الكلمة لمعنى ثم يتطور المعنى بتطور العصور، فيضيف إليها كل عصر معنى جديدا، فيبقى اللفظ على حاله ويتغير المعنى تغيرا قريبا أو بعيدا، فمساكين هم أصحاب المعاجم الذين ينقل خلفهم ما ذكره سلفهم من غير مراعاة لما طرأ على اللفظ من تغير.

هذه كلمة بطل وبطولة ... ماذا يعنى بها؟ وما الفرق بين البطل والعظيم والنابغة؟ وماذا كان يعنى بالبطل في العصور القديمة وماذا يعنى بها الآن؟ أسئلة محيرة لا تسعفك المعاجم في توضيحها.

إن البطل في كل عصر وعند كل أمة يستمد معناه من حالة الأمة والجماعة، ومن عقليتها، ومن عقيدتها، فاليونان في عصورهم الأولى كانت حياتهم مملوءة بالآلهة وأنصاف الآلهة، لكل قوة طبيعية إله، فخلعوا على البطل نوعا من التقديس، ونسبوا إليه كل ما يتخيلون من وجوه الكمال، وقدسوه تقديس الآلهة، وعبدوه عبادة الآلهة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩١٥