تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الماء البديع ينساب في الجدول ويتدفق في النهر ويتموج في البحر، ويكون فضيا في وسط النهار وذهبيا في الأصيل، وله صوت في سريانه وتدفقه وتموجه أجمل من صوت الناي، وإذا مس أرضا ملأها بالحياة من شتى الأنواع ... وهو على رقته يفتت الصخور ويذيب الجبال، وله في كل نهر وبحر وبحيرة تاريخ طويل مما له من أفاعيل.

وهذه الجبال - معممة بالثلوج، أو مكسوة بالأشجار، أو صخرية جرداء - تفتن النظر بجمالها وعظمتها وتعاريجها وارتفاعها، في أعاليها يتعانق السحاب، وفي هيكلها تتلون الصخور، بين دكناء وحمراء وصفراء، وفي باطنها المناجم تعج بالخير، وفي أسفلها الوديان تموج بالحياة، تشمخ بقممها كأنها تريد أن تنطح السماء ، وبجمال أديمها كأنه ألوان الحرباء، وبصفاء جوها، ونقاء هوائها، وبعدها عن التلوث بصغائر الإنسان.

وحتى الصحراء الجرداء لها معان من الجمال فاتنة ... فهي واسعة لا يبلغ الطرف مداها ... تقرأ العين فيها معنى الأبدية واللانهائية والخلود، وينعم العقل فيها بمعنى الاستقرار والثبات، بينما ينعم في منظر البحر بمعنى الحركة والتقلب والنشاط ... وكلاهما معنى لا يفهم إلا بأخيه ولا يجمل إلا بقرينه. •••

أكتب هذا في مستهل الربيع والعالم يموج بالجمال ... فلئن كان للزمان عمر فالربيع شبابه، ولئن كان الجمال في غيره يرتشف فهو في الربيع يعل وينهل، قد دبت الحياة في الأرض فأفاقت الأشجار من نومها، واكتست الأرض بثيابها الخضر بعد عريها، وتفتحت الأزهار وغنيت بالألوان، وتمايلت الورود على الأغصان، وغردت الأطيار ... فإذا كل شيء جميل لا ينقصه إلا طرف يدرك جماله، وقلب ينبض بحبه، ولسان يهتف: سبحان خالقه.

| برناردشو

إرلندي دخل إنجلترا طالبا للقوت، ثم تبين أنه دخلها غازيا فاتحا، وما زال يجاهد ويحارب حتى توج ملكا على الرأي العام.

وناشئ في بيت منحل؛ فقد كان أبوه على حد تعبيره «رجل أعمال نظريا، وسكيرا عمليا». وتلميذ خائب في مدرسته، يهزأ بالدراسة وبثرثرة المعلمين، وجمود أساليبهم، وسخافة تعاليمهم، فكان له من بيته المنحل، ودراسته الفاشلة غذاء صالح وذخيرة كبيرة لنقد الحياة الاجتماعية والدعوة لإصلاحها.

منح ذكاء حادا كالبلور في صفائه وقسوته، فبدأ شهابا لامعا يعجب ولا ينفع، ثم نما وكبر حتى صار شمسا تدفئ وتنفع.

من أعجب ما فيه رحمته وقسوته معا، وامتزاجهما فيه مزجا غريبا، فهو يرحم الحيوان كأبي العلاء المعري، فيعف عن أكله، ويعيش على النبات، بل يتمنى أن لو وسعت رحمته النبات أيضا فلا يحرم الشجر ثمارها، ولا الثمرة بذورها، ولا النباتات جذورها، وهو مع ذلك يقسو على الناس في نقدهم ولذعهم، وإقلاق راحتهم، وتحطيم أوثانهم، ولكن لعل قسوته عليهم من رحمته بهم، فهو يرحمهم من سخفهم فينقدهم، ومن خمودهم فيلذعهم، ومن نومهم فيوقظهم، ومن جمودهم الذهني فينشطهم، ولذلك كان من طبيعته أن يهاجم فكرة الناس ولا يهاجم الناس ، ويقاتل الرأي الفاسد ولا يقاتل أصحابه، ويحمل حملة شعواء على فكرة الحرب ولا يثور على المحاربين، ويحمل حملة شعواء على الأدب السخيف ولا يتعرض للأدباء.

سما فوق العادات والتقاليد؛ فلم تقيده عادات الطفولة؛ إذ لم يكن سعيدا، ولا عادات المدرسة والجامعة؛ إذ كانت فاشلة، ولا عادات المجتمع؛ إذ لم يجد فيها ما يحترمه ويوقره، فتحرر من أغلال الأوضاع والتقاليد، ونظر إليها من طيارة فوجدها رمما بالية، وأشياء مستقذرة، وأغلالا للعقول، وقيودا للتفكير، وأصناما تعبد من دون الله، فتنزل عليها بمعوله يحطمها في قسوة، ويحرقها في جرأة، ويصوغ عباراته في نقدها صوغا أنيقا متقنا بارعا، فتجري في الناس مجرى المثل، ويضحكون منها؛ وهم إنما يضحكون من أنفسهم.

وينفذ بصره الفاحص إلى حقائق الأمور ولا يلهيه زخرفها الظاهر، ولا طلاؤها الخادع، فإذا وقف على الحقيقة المؤلمة أعلنها على الناس في صراحة وجرأة، يقارن بين المدنيين على آخر طراز وبين المتوحشين من سكان الكهوف ويعقد الشبه بينهما في شكل يدعو إلى العجب والإعجاب، ويسخر من الأمريكيين؛ إذ يضطرون الزنوج إلى مسح أحذيتهم ثم يدللون على انحطاطهم بأنهم مساحو أحذية، ويرى الأدباء قد غلوا في الإعجاب بشكسبير واتخذوه صنما يعبد، وجعلوا أدبه المثل الأعلى، وقاسوا أدبهم بأدبه فما انطبق عليه كان عالي القيمة، وما بعد عنه ضعفت قيمته، فهاج على شكسبير وكسر صنمه، وأنزل من قيمته، وقال عبارته المشهورة: «إن يكن شكسبير أطول مني فإني أقف على كتفه»، واتخذ هجومه عليه من ناحية أن شكسبير في أدبه سوداوي متشائم، يرى الحياة باطلا من الأباطيل، والأدب في نظر «شو» هو ما بعث الحياة، وبعث الأمل فيها، وبعث على الاستمتاع بها، والاستزادة منها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩١٢