تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالعاطفة هي ملح الحياة؛ بها يدرك الإنسان من هذا العالم اللجب المضطرب، الشقي التعس، ما في باطنه من وفاق وتناسب كتناسب نغم الموسيقى، والعاطفة إذا هذبت نعمت بالجمال، وخلقت من الشقاء سعادة، ومن النار جنة.

والإنسان من يوم أن خلق مد خيوطا بين الطبيعة وقلبه، فشعر شعورا ساذجا بجمال السماء والأرض، وجمال الطيور والأزهار، وشروق الشمس وغروبها، ولكن كان يحول بينه وبين الاستمتاع بها حاجته الملحة إلى القوت ومشقة الحصول عليه ... حتى إذا توافر له رقيت عواطفه فأحس أن القوت ليس كل شيء، ولا العلم كل شيء، وإنما العاطفة والجمال ورقة الشعور، والاستمتاع بجمال الطبيعة وجمال العالم، هي قوام الحياة. •••

كم في الكون من جمال! ولكنه يحتاج إلى عين تنظره، وكثير من الناس لهم عيون، ولكن لا يبصرون بها إلا ما يأكلون وما يشربون وما يدخرون، وقليل هم الذين دق نظرهم، فرأوا جمال العالم المتجدد في الحقول والزهور، والسماء والنجوم، والبحار والأنهار، والجبال والأحجار، وقل أن يكون شيء في الوجود لا جمال فيه، وإنما يحتاج إلى عين تبصره وذوق يدركه وقلب يلقفه، ورحم الله ابن المعتز؛ إذ يصف قلبه فيقول:

قلبي وثاب إلى ذا وذا

ليس يرى شيئا فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي

ويرحم القبح فيهواه

وما أشقى من لم ير في البستان إلا زهرة تشم أو ثمرة تؤكل، ولا يرى في البحر إلا ماء ملحا وسمكا يتغذى به، ولا يرى في الحمام واليمام والعصافير إلا أنها تصاد وتشوى! إن هؤلاء وأمثالهم عمي العيون صم الآذان غلف القلوب

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت .

إن أردت الحق فعمر الإنسان لا يحسب بالسنين التي عاشها، ولا بالملذات المادية التي استمتع بها ... إنما تقدر الحياة بما نبض به قلبه من مناظر أشجار يانعة، أو أطيار صادحة، أو نجوم متألقة، أو زهور ضاحكة، وعلى الجملة بما تجاوبت به نفسه مع منظر جميل أو معنى جميل، وأما ما عدا هذا فقشور الحياة لا لبها؛ وإن ساعة واحدة يقضيها المرء بين الأزهار والأشجار أو على شاطئ البحار والأنهار، يناغي فيها الطبيعة الجميلة ويقترب فيها من عمق الحياة وسرها، ويخفق فيها قلبه لما تحويه من معنى الأبدية والأزلية، خير من ألف ساعة يقضيها في كفاح من أجل المال بل ومن أجل العلم، ولقد كان على شيء من الحق ذلك الرجل الشاعر القلب المرهف الحس الذي أخذته روعة غروب الشمس فهتف قائلا : «دعوا لي هذا المنظر، وخذوا جميع كتبي». •••

في كل جانب من جوانب الطبيعة جمال، ولكل جمال ذوقه وطعمه، كالفاكهة تختلف أشكالها وطعومها، ولكل فاكهة جمالها، فهذه القبة الزرقاء ببهائها وسنائها ولألاء نجومها تبعث في الإنسان الشعور بألم لذيذ أو لذة أليمة، وسبب اللذة جمالها ... وكل جمال يبعث اللذة والسرور، وسبب الألم جلالها ... وكل جلال يبعث في النفس الشعور بالضعة والمهانة وحقارة الإنسان أمام هذا الجلال، وهو شعور أليم.

وهذه الشمس الجميلة القوية مصدر نورنا ونارنا، تفعل أفاعيلها العجيبة الجميلة في أرضنا حتى كأنها «فلم» سينمائي غريب، تبخر الماء وترفعه غيوما في السماء وتنزله أمطارا تجري به بحارا وأنهارا، ويسقى به الزرع فينمو ويهيج، والأزهار فتنضج وتتفتح، ثم هي بحرارتها تلعب بالرياح، والرياح تلعب بالأمواج، والأمواج تلعب بالسفن، والسفن تلعب بالراكبين، وهكذا من مناظر جميلة لا يحصيها العد.

وهذا القمر الوديع اللطيف، يبدو هلالا نحيلا وينمو نموا متتابعا بديعا، ثم يعود كما بدا فيتلون في ذلك بلون من أضناه الحب فنحف وهزل، ثم بلون الحبيب الممتلئ حسنا ونضارة، ويعرض علينا صورة الطفل بدا صغيرا هزيلا، ثم صار في أحسن تقويم، ثم رد أسفل سافلين، ثم هو يلعب بالماء في مده وجزره، وتلوينه وتفضيضه؛ فإذا نحن رددنا الطرف من قبة السماء إلى سطح الأرض وجدنا صنوفا من الجمال لا تنتهي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩١١